|
الامام المهدي و ثقافة الانتظار في عصر العولمة و الارهاب
بعد هذا التمهيد القصير في معرفة الارادة الإلهية في الخلق واختيار الانسان، ندخل في موضوع الارادة الالهية في خلق الامام المهدي وغيابه وظهوره ونشر العدل على الارض في آخر الزمان من خلاله عليه أفضل الصلاة والسلام، وكم لنا وله(عج) من الاختيار في ظهوره، في التعجيل والتأخير، وانّه منتظِر ومنتظـَر، ماذا ينتظر، وماذا ننتظر؟
(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالإنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الإخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) [1]
مقدمة
أول جريمة نـُفـّذتْ على الأرض قتل قابيل أخاه هابيل، واستمر القتل والارهاب والفساد على الارض الى يومنا هذا وكان عبر التاريخ بين المد والجزر.
وقد طهّرَ الله تعالى الارض عدة مرات ببعث الانبياء والرسل والأولياء الصالحين، وأكبر التطهيرات كان زمن النبي نوح(ع)، التطهير الكلي من كل فاسد على وجه الارض.
وهكذا حال الدنيا حينما تبتعد عن مركزية النبوة والحجة حين تبتعد عن أخلاقها وقيمها كما قال الله تعال: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)[2].
لكنّ الله تعالى لا يترك الارض دون حجة، اما ظاهر مشهور أو غائب مغمور، ليمكن الاولياء الصالحين من الاتصال بالغائب المغمور ليوصل التعاليم الصحيحة الى خلق الله دون ان يعلموا بذلك. وليكون حجة عليهم يوم القيامة.
أما كيف يمد الله تعالى بعض خلقه في أعمارهم، وينقص في آخرين فهذا شأنه وارادته، لأن الموت والحياة من خصوصيات الخالق العظيم الذي لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون كما قال في كتابه العزيز: (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) فالموت بيده والحياة وطولها وعرضها بيده تعالى، فهو القادر الحكيم، فكما وضع الموت لحكمة لا نعلمها، فقد وهب الحياة وأمكنها لبعض عبادة وطوّلها لحكمة لا نعلمها أيضاً.
فقد تجلت حكمة الله تعالى أن تـُصلح الارض ومن عليها في آخر الزمان، وليس في أوله ولا وسطه، وأن يرجع كل حق الى أهله، وأن يُقتص من الظالم، وتـُطبق العدالة قبل يوم القيامة، قبل الحساب الأخروي. جلت حكمته في ذلك. لا علم لنا إلاّ ما علّمنا وأخبرنا. واذا سكت الله عن شيء، نسكت عما سكت الله عنه ولم يخبرنا فيه، فالله الحاكم الرحيم، العادل الذي لا يظلم. الحق الودود الذي بيده كل شيء وهو بكل شيء عليم...
وهذا البحث بين يدي القارئ الكريم يتحدث حول ثقافة الانتظار في عصرنا هذا، عصر العولمة والارهاب، وبيان ارادة الله تعالى في خلقه في جعل تطبيق العدل على يد حجته في آخر الزمان.
راجية من الله القبول. والله ولي التوفيق.
تمهيد
ارادة الله تعالى في خلقه تتضح من خلال آياته الكريمات، نذكر منها ماجاء في سورة النجم قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالإنثَى... الخ)
والسياق في جميع هذه الآيات سياق الحصر، وتفيد انحصار الربوبية فيه تعالى وانتفاء الشريك، و ينافي ما في هذه الموارد من الحصر توسط أسباب أ ُخر طبيعية أو غير طبيعية فيها كتوسط السرور والحزن وأعضاء الضحك والبكاء من الانسان في تحقق الضحك والبكاء، وكذا توسط الأسباب المناسبة الطبيعية وغير الطبيعية في الإحياء والإماتة وخلق الزوجين والغنى والقنى وإهلاك الأمم الهالكة وذلك أنها لما كانت مسخّرة لأمر الله غير مستقلة في نفسها ولا منقطعة عما فوقها كانت موجوداتها وآثار وجوداتها وما يترتب عليها لله وحده لا يشاركه في ذلك أحد.
فمعنى قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أنه تعالى هو أوجد الضحك في الضاحك وأوجد البكاء في الباكي لاغيره تعالى.
ولا منافاة بين انتهاء الضحك والبكاء في وجودهما الى الله سبحانه وبين انتسابهما الى الانسان وتلبسه بهما لأن نسبة الفعل الى الانسان بقيامه به ونسبة الفعل اليه تعالى بالإيجاد وكم بينهما من فرق.
ولا أن تعلق الإرادة الإلهية بضحك الإنسان مثلاً يوجب بطلان إرادة الإنسان للضحك وسقوطها عن التأثير لأن الارادة الإلهية لم تتعلق بمطلق الضحك كيفما كان وإنما تعلقت بالضحك الإرادي الإختياري من حيث إنه صادر عن إرادة الإنسان واختياره فإرادة الانسان سبب لضحكه في طول ارادة الله سبحانه لا في عرضها حتى تتزاحما ولا تجتمعا معاً فنضطر الى القول بأنّ أفعال الانسان الاختيارية مخلوقة لله ولا صنع للإنسان فيها كما يقوله الجبري أو انها مخلوقة للإنسان ولا منع لله سبحانه فيها كما يقوله المعتزلي.[3]
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) الكلام في انتساب الموت والحياة الى أسباب أ ُخر طبيعية وغير طبيعية كالملائكة كالكلام في انتساب الضحك والبكاء الى غيره تعالى مع انحصار الإيجاد فيه تعالى، وكذا الكلام في الأمور المذكورة في الآيات التالية.
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالإنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) النطفة ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منه الولد، وأمنى الرجل أي صبّ المني، وقيل: معناه التقدير، وقوله: (الذَّكَرَ وَالإنثَى) بيان للزوجين.
قيل: لم يذكر الضمير في الآية على طرز ما تقدم – أنه هو – لأنه لا يتصوّر نسبة خلق الزوجين الى غيره تعالى.
قوله تعالى: (وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الإخْرَى) النشأة الأخرى الخلقة الأخرى الثانية وهي الدار الآخرة التي فيها جزاء، وكون ذلك عليه تعالى قضاؤه قضاء حتم وقد وعد به ووصف نفسه بأنه لا يخلف الميعاد.
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) أي أعطى الغنى وأعطى القنية، والقنية: ما يدوم من الأموال ويبقى ببقاء نفسه كالدار والبستان والحيوان، وعلى هذا فذكر (أَقْنَى) بعد (أَغْنَى) من التعرض للخاص بعد العام لنفاسته وشرفه.
وقيل: الإغناء التمويل والإقناء الإرضاء بذلك، وقال بعضهم: معنى الآية أنه هو أغنى وأفقر.[4]
اذن الله تعالى خالق كل شيء ورازق كل شيء وهو سبب الاشياء كلها، يودعها في الانسان ويترك الاختيار للانسان دون الخروج عن ارادته تعالى.
بعد هذا التمهيد القصير في معرفة الارادة الإلهية في الخلق واختيار الانسان، ندخل في موضوع الارادة الالهية في خلق الامام المهدي وغيابه وظهوره ونشر العدل على الارض في آخر الزمان من خلاله عليه أفضل الصلاة والسلام، وكم لنا وله(عج) من الاختيار في ظهوره، في التعجيل والتأخير، وانّه منتظِر ومنتظـَر، ماذا ينتظر، وماذا ننتظر؟
ينتظر منا ان نصلح انفسنا ونـُهيئ الارضية لظهوره ليجد فينا أصحاباً أوفياءً مخلصين نا صرين له ولدين الله تعالى.
وننتظر منه الظهور ليخلصنا مما نحن فيه من عدم الامان، في عصر العولمة والارهاب.
ولكن ارادة الله تعالى فوق ارادتنا، وارادة الامام، اذن الامام يحتاج الى ارادة الله تعالى، و الى الإذن في خروجه.
لماذا المهدي في آخر الزمان؟
لماذا يريد الله تعالى - الارادة الالهية- بعد آلاف السنين من سفك الدماء على الارض وانعدام العدالة، والظلم والارهاب، يريد ان يُنشر القسط والعدل في آخر الزمان؟ لماذا لم ينشره منذ أول الزمان؟ أو في وسط الزمان؟ ولماذا هذا الانتظار كله؟ ولماذا يريد الله تعالى ان يمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم الوارثين لهذه الأرض؟ ولماذا هذا، وهناك يوم حساب وكتاب وقيامة كبرى تتحقق فيها العدالة وكلٌ يأخذ جزاءه خيراً كان أوشرا، حسب أعماله وأفعاله في الدنيا؟ ما هي الفائدة وما هي الحكمة في اظهار الحق والعدل لسنين معدودات في الدنيا في آخر زمانها ثم تنتهي وينتهي كل شيء؟
بل لماذا وراثة الأرض في آخر الزمان للذين استضعفوا، ثم يجعلهم الله تعالى أئمة،كما قال في كتابه العزيز: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).[5]
وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِيِ ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).[6]
هذا المن، وهذا الوعد لماذا يتحقق في آخر الزمان؟!!، وآخر الزمان في الظاهر يعني قبل يوم القيامة بقليل، أي بعد أن ينتشر القسط والعدل على الأرض ويظهر الحق ويُدحض الباطل تنتهي الدنيا وينتهي كل شيء على الأرض.
لعل الجواب على هذه الأسئلة في رأيي والعلم عند الله سبحانه، الجواب يكمن في ثلاث نقاط وقد يكون غيرها لكني لم انتبه اليها:
أولا: ارادة الله تعالى وحكمته في خلقه لا تصل اليها عقول البشر فهو الذي كما ذكرنا في أول البحث، هو الذي أضحك وأبكى وهو الذي أمات وأحيا وخلق الزوجين الذكر والأنثى و... بيده كل الامور وكل الاسباب، فإرادته تقتضي ان تتحقق العدالة في آخر الزمان.
ثانياً: ان الله تعالى ألهم الناس الخير والشر (أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وجعل الانسان مختار في أفعاله وسلوكه، واعطاه الفرصة الطويلة ان يختار، فما اختار الانسان إلاّ سفك الدماء والدمار على الأرض والفساد، وكلما ظهرت فئة للإصلاح تصدت لها فئة الشر وقضت عليها حتى تصور الانسان ان العدالة لا يمكن ان تتحقق على الأرض، وبعد الصبر الطويل للبشر في اظهار الحق يحققه الله تعالى لهم في آخر المطاف من الدنيا.
ثالثاً: نشر العدالة في آخر الزمان قد يكون امتداداً نموذجاً للعدالة التي ستتحقق في يوم القيامة، فهي تمهيد للعدالة الكبرى، فستكون من ظهورالامام المهدي(عج) في الدنيا وتستمر الى ما لا نهاية من الآخرة.
وقد تكون هناك أمور أخرى لم نلتفت اليها، ولم تصل اليها عقولنا... علمها عند الله جلّ وعلا والراسخون في العلم.
عولمة المهدي المنتظر
الدعوة الى العولمة وجعل الارض قرية صغيرة يحكمها فكر واحد وتكنولوجيا واحدة وثقافة واحدة وما الى ذلك، فكرة طرحها الغربيون في نهاية القرن العشرين، وطبّل لها من طبّل من الشرق والغرب الكثيرون، وخاف من خاف عواقبها، وحذر من حذر.وهكذا ديدن البشر في كل الامور..
وتصوّر الغرب انه سيسيطرعلى الشرق بهذه الطريقة الاستعمارية بثوبها الجديد إلاّ أنّ الواعين من المسلمين حذروا من هذا الغزو الجديد الثقافي والسياسي و... الخ.
ولكن هل يمكن لحكومةٍ ما أو دولةٍ ما أن تحكم العالم كله مع اختلاف الأديان، واختلاف الأفكار، واختلاف الأذواق وما الى ذلك؟
وهل ممكن للدنيا ان يقودها قائد واحد يُسمع ويُطاع؟
قبل ان نرجع الى القرآن والسُنة في اثبات ذلك، فلنستمع الى علماء الاجتماع وما هو رأيهم:
يقول علماء الإجتماع: نعم ممكن ذلك في ظل عوامل مساعدة أهمها:
العامل الثقافي
العامل الاقتصادي
العامل السياسي
وحدة الهدف
هذه أهم العوامل التي تساعد على التوجه الى قائد واحد وحكومة واحدة، وهناك عوامل أخرى يطول البحث لذكرها نكتفي بهذه العوامل الأربعة.
1. العامل الثقافي
يقول خبراء اليونسكو: (إذا استطعنا تربية البشر على أساس ثقافة انسانية واحدة وأخلاق حميدة ثابتة فان الشعوب ترتبط بعضها مع بعض ارتباطاً وثيقاً ويكوّنوا ثقافة واحدة وبذلك تتكوّن أمة واحدة تسهل ادارتها).
والعامل الثقافي مهم جداً في صنع عولمة حقيقية، بحيث كل الشعوب تحمل فكراً واحداً، ولذلك فكـّر الغرب منذ عدة سنين بغزو الشعوب ثقافياً لتسهل سيطرته عليهم.
ولكن هيهات لأنّ المسلمين واعون للغزو الثقافي الغربي وما تكن صدور الغربيين من احتلال الشرق وسرق خيراته.
2. العامل الاقتصادي
أما رأي علماء الاقتصاد في توزيع الثروات بالتساوي بين الناس فهو:
أنّ الاقتصاد عنصر عام لتكميل سعادة الإنسان، ولا ريب أنّ سوء الحالة الاقتصادية لدى أي شعب يكون سبباً لإشاعة الظلم والفساد والسرقة والبعد عن الحق، وكذلك يسبب النقمة على الشعوب المنعمة خصوصاً اذا كانت حكومات تلك الشعوب سارقة لخيرات ذلك البلد، أو محتلة له، فيكون العامل الاقتصادي في هذه الحالة مفرّقاً للشعوب، مفرّقاً بين البشر، وبعكس ذلك اذا قـُضي على الفقر وتساوت الناس في استغلال خيرات الأرض وكنوزها، فيكون سبب استقرار النفوس واطمئنانها ووحدتها والقرب الانساني فيما بينها.
3. العامل السياسي
أما العامل السياسي فيأتي من النقمة على السياسيين من حكـّام ظلام ومساعدين لهم أظلم، أومنظمات عالمية سياسية وغير سياسية تحكم باسم العدالة وحقوق البشر تظلم شعوب العالم، وتحكم بالباطل ولا ترى الحق والعدل.
وهذه الحالة تكون سبباً لنقمة المجتمعات المظلومة، والشعوب المضطهدة، فعلماء الاجتماع: يرون ان حصل العكس، وحكمت الحكومات بالقسط والعدل، وكلُ ذي حق حصل على حقه، فينتج من ذلك تقارب بين الشعوب والحكومات وتتحقق العولمة الحقيقية التي يتحدث عنها العالم في النظرية وليس في التطبيق.
أما مايريده الغرب من العولمة اليوم، فهوالعولمة الباطلة الاستعمارية، وليست عولمة القسط والعدل ولكل ذي حق حقه.
4. وحدة الهدف
اذا كان للبشرية هدف واحد وفكرة واحدة يسعى الجميع في سبيل تحقيقها، وتتوحد الشعوب حول الهدف الواحد، ففكرة المصلح العالمي الذي سيظهر في آخر الزمان وتحقيق العدالة على الأرض فكرة تحملها كل الشعوب، وكل الأديان السماوية وغير السماوية ولم نر شعباً من الشعوب لم يحمل هذه الفكرة إلاّ اذا كان لا يعترف بالخالق أصلاً، أو لا يعترف بالحق والعدل أبداً.
فاذا كان الهدف هو عولمة العدل أو عالمية العدل، وكل الشعوب تحوم حول هذا الهدف، فمتى تحقق تحققت العولمة المهدوية، وحكومته العالمية.
ومن السهل عليه(عج) ان يحكم العالم...
رأي الاسلام في امكان العولمة
بعد أن عرفنا رأي غير الاسلاميين في امكان العولمة إن كانت هناك عوامل تساعد عليها، فما هو رأي الاسلام في امكان العولمة:
قال الله تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يعْلَمُونَ * وَيقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لَّكُم مِّيعَادُ يوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ).[7]
وقال تعالى:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).[8]
القرآن الكريم يبشرنا بغلبة الدين رغم أنف المشركين، ويدعو الناس الى الوحدة الثقافية، والوحدة الدينية، والوحدة الفكرية، والوحدة السياسية في هذه الآيات وغيرهما من الآيات قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، دعاهم الى عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان وعبادة الانسان وأي أنواع الشرك، ودعاهم الى التخلق بالأخلاق الحسنة كالأمانة والصدق والوفاء والبر وحسن الجوار وحب الخير للغير والعدل والرحمة والإحسان وعدم أكل المال بالحرام، وعدم غصب حقوق الآخرين و... الخ من التعاليم التي تدعو الى وحدة العالم الانساني والتقارب بين بني الانسان، وقال تعالى أيضاً:
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا).[9]
الدعوة الى الحق التي تتحدث عنها الآية الكريمة هي الدعوة العالمية لدحض الباطل والارهاب والخوف والرعب الذي تعيشه البشرية، واستبداله بالأمن والأمان وحفظ حقوق الآخرين، والسراج المنير: هو النور الذين يُخرج الناس من الظلمات التي يعيشونها، الى دنيا مضيئة مبهجة ليس فيها ظالم ولا مظلوم، ولا قاتل ولا مقتول، ولا سارق ولا مسروق و.. و.. الخ مما يكون مصدر سعادة البشرية على الأرض، ومصدر اطمئنان الانسان برضا الله تعالى والفوز بالآخرة.
وقد جاء في بحار الأنوارقول الامام الباقر(ع) في بيان العولمة العقلية والفكرية وامكانها، قال(ع):
إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم.[10]
ويتضح من هذه الرواية: أنّ بعد أن يقضي القائم المهدي(عج) على الظلم والارهاب وينشر الحق ويقضي بالعدل، تنضج العقول وتتوعى وتتجه الى الطريق الصحيح، أي أنّ عقول البشر تكتمل في آخر الزمان، بعد قيام المهدي(عج)، وبذلك يمكنهم قبول حكومة واحدة بسهولة، لأن العقل مع الصحيح، لا مع الخطأ.
ويقول الامام الصادق(ع):
إذا قام القائم حكم بالعدل، وارتفع الجور في أيامه، وآمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها وردَّ كل حق الى أهله... فحينئذ تظهر الأرض كنوزها وتبدي بركاتها ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقاته ولا لبرّه لشمول الغنى جميع المؤمنين.[11]
فإذا عمّ الخير وأ ُمّن للناس ما يأكلون وما يشربون وما يعتقدون وما يحتاجون اليه من دنياهم من أمان واستقرار وراحة، فلا حاجة لهم للقيام بالثورات والحروب والقتل والسرقات وما الى ذلك من الفساد في الأرض. فمن السهولة ان تقام حكومة عالمية واحدة لقائد واحد يأمر فيُطاع.
اذن العولمة ممكنة، ولنسمها في ظل حكومة الامام المهدي ( العدالة العالمية ) والقائد الواحد ممكن، اذا توفر للناس العامل الثقافي الموحد، والعامل الاقتصادي العادل، والعامل السياسي في ظل الأمان والاستقرار والرحمة في تحقيق الهدف الواحد.
الإرهاب في آخر الزمان
يصل الإرهاب في آخر الزمان الى ذروته، بحيث يصفه الامام أمير المؤمنين(ع) قائلاً:
.... فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه وركب الجهل مراكبه، وعظمت الطاغية، وقلت الداعية، وصال الدهر صيال السبع العقور، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم،[12] وتواخى الناس على الفجور، وتهاجروا على الدين، وتحابوا على الكذب، وتباغضوا على الصدق... فاذا كان ذلك كان الولد غيظاً، والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً وتغيضُ الكرام غيضاً... وكان أهل ذلك الزمان ذئاباً، وسلاطينه سباعاً وأوساطه أكالاً، وفقراؤه أمواتاً، وغار الصدق، وفاض الكذب، واستعملت المودة باللسان، وتشاجر الناس بالقلوب، وصار الفسوق نسباً، والعفاف عجباً، ولُبس الاسلام لبس الفرو مقلوباً.[13]
وعن رسول الله(ص):
... حتى تملأ الأرض جوراً فلا يقدر أحدٌ أن يقول: الله، ثمّ يبعث الله عز وجل رجلاً مني ومن عترتي فيملأ الأرض عدلاً كما ملأها من كان قبله جوراً... .[14]
وعن رسول الله(ص) أيضاً:
ينزل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد منه حتى تضيق عنهم الأرض الرحبة وحتى تملأ الأرض جوراً وظلماً لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ اليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي.[15]
ويكثر القتل والإرهاب وعدم الامان، وعدم الاستقرار، ولا يعلم المرئ في أي بقعة من بقاع العالم يلجئ ليستقر.. ولا يرى الاستقرار...!!
أما عن كثرة القتل في آخر الزمان فقد قال رسول الله(ص):
لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة... وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل.[16]
وعن الامام علي(ع):
لا يخرج المهدي حتى يُقتل ثلث، ويموت ثلث، ويبقى ثلث.[17]
وعن الامام الحسين(ع):
لا يكون الأمر الذي تنتظرون حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً... الخير كلّه في ذلك الزمان يخرج المهدي فيرفع ذلك كله.[18]
وعن أبان بن تغلب قال: قال أبوعبد الله(ع):
كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين، فيأزر العلم كما تأزر الحيّة في حجرها، واختلفت الشيعة وسمّى بعضهم بعضاً كذابين، وتفل بعضهم في وجوه بعض؟ قلتُ جعلتُ فداك ما عند ذلك من خير، فقال لي: الخير كلّه عند ذلك.[19]
أما ما يحدث من خوف وإرهاب في العراق في آخر الزمان فقد ورد عن الامام الصادق(ع) أنه قال:
يزجر الناس قبل قيام القائم(عج) عن معاصيهم بنار تظهر لهم في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلدة البصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها، وشمول أهل العراق خوف لا يكون معه قرار.[20]
وهناك روايات وأحاديث أخرى نعرض عن ذكرها خشية الإطالة، ونكتفي بهذا القدر المعبر عن الارهاب في آخر الزمان.
المهدي: محمد بن الحسن العسكري(ع)
المصلح العالمي والقائم بالحق والمهدي المنتظر هو: محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفربن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بضعة رسول الله(ص).
ولد(ص) بسامراء من مدن العراق، ليلة النصف من شعبان عام (255هـ )، وكان الولد الوحيد لأبيه الحسن العسكري عليهما السلام.
وليَ الامامة بعد وفاة أبيه الامام الحسن العسكري عام (260هـ ) وهو ابن خمس سنين، ولا استغراب في جعله اماماً وهو في هذه السن المبكرة، لأنّ الامامة هبة يمنحها الله تعالى من يشاء من عباده، ممن تتوافر فيه عناصر الإمامة وشروطها، شأنها في ذلك شأن النبوة. وهو ما برهن عليه في مجاله من مدونات وكتب اإمامة عند الشيعة بما يربو على التوفية.
إنّ المهدي المنتظر قام بالإمامة، وحاز هذا المنصب الجليل، وهو ابن خمس سنين، طفل لم يبلغ الحلم.. فهل يجوز ذلك؟ !.. أم لابد في النبي والرسول والخليفة أن يكون بالغاً مبلغ الرجال؟!
هذه مسألة كلامية، ليس هنا محل تفصيلها، ولكن على وجه الإجمال، نقول: بناءً على ما هو الحق من أن أمر الرسالة والإمامة والنبوة والخلافة بيد الله سبحانه وتعالى، وليس أحد من الناس فيها اختيار – يجوز ذلك عقلاً، ولا مانع منه مع دلالة الدليل عليه، لأن الله سبحانه وتعالى قادر أن يجمع في الصبي جميع شرائط الرسالة والإمامة ".[21]
وقد ولي الامام الجواد الامامة وهو ابن سبع سنوات، والامام الهادي وليها وهو ابن ثماني سنوات، والحسن العسكري قبل العشرين.
وقد تحدث القرآن الكريم عن النبي يحيى(ع) قال تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًا).[22] والنبي عيسى(ع) صار نبياً وهو طفل رضيع، قال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًا *قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا).[23]
العلم يؤيد طول العمر
- طول العمر من الجانب الديني ممكن، لأن كل مؤمن بالله تعالى عالم وعارف ان الله تعالى قادر وعلى كل شيءٍ قدير، بقدرته اللامتناهية يستطيع ان يطوّل عمر أي شيء من مخلوقاته مئات السنين بل آلاف السنين، أليس هو الخالق؟ أليس هو العالم كيف خلقهم وكيف جعل لهم أجلاً مسمى، فهل هو الخالق وهو الواضع لقانون البداية والنهاية لكل شيء، هل هو غير قادر على أن يطيل أمد شيء أو ينقص منه؟ فهو الذي أطال عمر آدم ألف سنة، ونوح 950 سنة يدعو قومه الى وحدانية الله،[24] وأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم (ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)،[25] ويونس(ع) يتحدث عنه القرآن الكريم لولا ان كان من المسبحين لخلد في بطن الحوت الى يوم القيامة وليس سنين معدودة، قال تعالى: (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يوْمِ يبْعَثُونَ)،[26] وعيسى(ع) حي بصريح القرآن ورفع الى السماء وانه حي وسينزل مع الامام المهدي ويصلي خلفه كما فسر المفسرون الشيعة الآية الكريمة من قول الله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ رَسُولَ اللّهِ... الخ)،[27] والخضر(ع) جاء ذكره في الأحاديث الشريفة للرسول وأهل بيته الكرام، وأن غيبته صار لها 6000سنة وسيخرج مع الامام المهدي،[28] وهناك في القرآن الكريم آيات تحدثت عن أعمار طويلة في الأمم السابقة، كقوله تعالى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيهِمُ الْعُمُرُ).[29] وعن الذي أماته الله تعالى مائة عام ثم أرجع له الحياة: (فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يوْمًا أَوْ بَعْضَ يوْمٍ)[30] ويتبين هنا ان الزمن قد توقف عنده ولم يحس به. وأمثلة كثيرة من هذا القبيل في القرآن الكريم.
وجاء في تاريخ الطبري ان الياس والخضر وإدريس وعيسى لا زالوا أحياء،وهناك اعتقادات لبعض المسلمين وغيرهم بآخرين أحياء لحد الآن.
ـ أما من الجانب العلمي فطول العمر ممكن أيضاً: على ما أكد عليه العلماء: "... أنّ كل الأنسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء الى ما لا نهاية له، وأنه في الامكان ان يبقى الانسان حياً ألوفاً من السنين اذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته، وقولهم هذا ليس مجرد ظن بل هو نتيجة عملية مؤيدة بالإختبار.
ان الانسان لا يموت لأنه عمّر كذا من السنين سبعين أو ثمانين أو مائة أو أكثر بل لأن العوارض تنتاب بعض أعضائه فتتلفها ولإرتباط أعضائه بعضها ببعض تموت كلها، فاذا استطاع العلم ان يزيل هذه العوارض أو يمنع فعلها لم يبق مانع يمنع استمرار الحياة مئات من السنين".[31]
وفيما يعتقد بعض علماء البيئة بعد دراسات طويلة أجروها أنّ جسم الإنسان صنع ليعيش أكثر من ألف سنة.[32]
وهناك آراء وتصريحات كثيرة لعلماء الطب وعلماء البيئة في كيفية اطالة عمر الانسان وامكان ان يعمر سنين أطول مما عليه البشر في الحالة الطبيعية الآن تدل على أنّ عمر الانسان أو بقية الكائنات الحية لم يُحدد له من الناحية العلمية حدّ قاطع، طبعاً إلاّ ما كان من أَجَل ِالله تعالى المحتوم، أو يعرض له حادث يقتله من انسان وغيره من الحوادث، وأن العمر الطويل غير محال فحسب بل هو في حدود التعقـّل.
والجدير بالذكر ان الله تعالى اذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، فاذا أراد لإنسان ان يطول عمره لمصلحةٍ ما، يجعله يعيش بالحالة الطبيعية وليست بالخوارق أو المعاجز، فمن الطبيعي ان يكون أكل الامام المهدي(عج) بالشكل الذي يكون خالي من السموم التي تقضي على خلايا الانسان وتسبب له الشيخوخة، ثم من الجانب الروحي يكون في حالة مطمئنة راضياً بقدر الله وقضائه وليس قلقاً، فقد أكد علماء الطب ان حالة القلق التي تصيب الانسان تقصّر في عمره.
ثمّ الحالات الأخرى من التعرض للحوادث القاتلة للبشرية كالتعرض للقتل وغيرها من الحوادث الطبيعية، فهو(عج) بعيد كل البعد عنها.
" إنّ مسألة بقاء الانسان حياً مدة طويلة من السنين ليست مستحيلة، لا فلسفياً ولا علمياً، وانما هي من المسائل الممكنة".[33]
الحاجة الى المنجد والمصلح
الأرض ومن عليها بحاجة الى الحجة، ولا يُخلي الله تعالى الأرض من حجة:
" لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله، أما ظاهر مشهور، وأما غائب مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ".
المظلوم يحتاج الى من ينقذه، والمحروم يحتاج الى من يعينه، والضال يحتاج الى من يهديه، وهكذا حال البشر في كل زمان، وفي كل مكان، بحاجة الى المصلح والمهدي.
وقد يسأل سائل: ان الحاجة الى الحجة والمصلح والمهدي الظاهر المشهور معقولة، أما الحاجة الى الحجة الغائب المغمور كيف نفسرها؟!!
ان ضرورة وجود الامام والحاجة اليه في الوجود والكون كضرورة وجود بعض الكواكب والنجوم والمجرات غير المرئية والغائبة عن عيوننا وعن تقنياتنا لكنها موجودة، فان وجودها وان لم يكن مرئياً، ضروري لوقوف وتماسك النجوم والكواكب والمجرات الأخرى، فالنجوم والكواكب والمجرات تماسك أحداهما الآخر مرئية كانت أم غير مرئية.. وبدون هذا التماسك ينفرط الكون.
وهكذا الامام المهدي(عج) فوجوده مجرد وجود في هذا الكون، وان لم يكن مرئياً وغائباً عن العيون، فهو الأمان لهذا الكون وكواكبه ومجراته وبشريته سواء كان مرئياً أو غير مرئي، وعدم وجود الحجة على الأرض يعني انفراط الكون وبالتالي انفراط البشرية التي تسكن هذا الكون، ووجوده حاضراً أو غائباً يعطي نفس المعنى في تماسك المجتمع وعدم انفراطه، فهو الحجة على أهل الأرض في كل الحالات.
المهدي(عج) ووسائل التكنولوجيا
العالم بأجمعه تقريباً متفق على ظهور مصلح ومنجد ومهدي ومنقذ في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، ولكن تتبادر الى الأذهان عدة من الأسئلة، وهي:
كيف يظهر وبأي شكل يحارب؟ وكيف تسمعه كل أذن وتراه كل عين ساعة ظهوره، ويُلبي له من يُلبي وهو في بلاده ولو كان في أقصى الأرض؟ كيف يكون ذلك كله؟ وهل يواجه الامام المهدي(عج) العالم بالتقيّة التي يجدهم عليها أم يبطل كل شيء، ويبتدأ معهم كما كان رسول الله(ص) يحارب بالسيف ويلبس الدرع ويضع الطاس على رأسه وينزل الى ميدان الحرب ويحارب دولة دولة حتى يُخضع جميع من على الأرض له ويكونوا تحت طوعه؟
أهكذا يكون زمن الامام المهدي(عج)؟ أم بالخوارق الكونية؟ أوبالمعجزات الإلهية؟
طبعاً الجواب الأول والأخير ان الله تعالى هو العالم بالكيفية التي يُظهر به حجته على الأرض بآخر الزمان.
ولكن هناك روايات تدلنا بعض الشيء على الحقيقة ولعلها تقربنا من الحقيقة، وهي:
عن الامام علي(ع): أنه قال: " تفرج الفتن برجل منـّا يسومهم خسفاً لا يعطيهم إلاّ السيف، يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر، حتى يقولوا: والله ما هذا من ولد فاطمة، ولو كان من ولدها لرحمنا".[34]
وعن الامام الباقر(ع) أنه قال:
لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج... فلا يأخذ منها إلاّ بالسيف ولا يعطيها إلاّ بالسيف،... الخ.[35]
هل القصد من السيف هنا هي القوة التي يظهر بها الامام(ع)، أو ان من كان في ذلك الزمان لا يفهم آلة أخرى في لغة الحرب إلاّ السيف، أو القصد منه هو السيف الحقيقي أي آلة الحرب التي كان يحارب بها رسول الله(ص)، أو أنّ معنى السيف في هذه الروايات هو معنى مجازي وليس معنى حقيقياً؟
وهناك روايات أخرى كثيرة جداً تبيّن انه يقوم بالسيف لكننا نكتفي بهذا القدر... وروايات أخرى تبيّن ان الناس تراه وتسمعه في كل بلد وفي نفس اللحظة التي يدعو الناس الى نصرة دين الله الحق، وهي تدل على التقنيات العالية في زمن الامام المهدي(عج)، وعلمها عند الله سبحانه فهي إما ان تكون مما علم الله تعالى الانسان ما لم يعلم، أو هي خوارق كونية كالمعاجز والكرامات:
عن الامام الصادق(ع) أنه قال:
أنّ قائمنا إذا قام مدّ الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون اليه، وهو في مكانه.[36]
وعنه(ع) أيضاً قال:
انّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق.[37]
وعن الامام الباقر(ع) أنه قال:
... وتصير اليه شيعته من أطراف الأرض، تطوي لهم طياً حتى يبايعوه.[38]
نكتفي بهذا القدر من الروايات عن أهل البيت:، ونتوقف قليلاً عند هذه الروايات لنتسائل: ألم تكن هذه الروايات قيلت قبل أكثر من ألف سنة، في الوقت الذي لم يكن فيه الانترنيت ولا الفضائيات التي تنقل الخبر مباشرة؟ الحقيقة نحن لا نعلم كيف سيتطور العالم في مستقبل الزمان، ففي كل لحظة العالم في تطور سريع جداً. لماذا لا نتصور ان هذا التطور قد يكون تمهيداً لعولمة الامام المهدي(عج) أو ( العدالة العالمية )، فالله تعالى: (عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يعْلَمْ) و (عَلَّمَهُ الْبَيانَ)، فكل تطوّر هو راجع في النهاية الى الله تعالى الذي إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه.
وقد يهيأ الله تعالى للإمام المهدي(عج) كل وسائل النصر السريعة، وبأحدث التقنيات، بل كل ما يحتاجه الامام في نشر العدل والقسط وبأقصر مدّة، وقد يقتل الامام(عج) الظالمين بالوسائل التي صنعوها هم بأيديهم لقتل المظلومين ويتحقق المثل القائل " من حفر بئراً لأخيه وقع فيه، والعلم في النهاية عند الله، لا علم لنا إلاّ ما علمنا.
مسك الختام
وأخيراً وليس آخراً... كل شيء ممكن عند الله تعالى، فإرادته فوق ارادة مخلوقاته من الجن والانس والملائكة وكل ما خلق في السماء والأرض، فهو الذي قرر وكتب ان يكون الاصلاح على الارض في آخر زمان هذه الدنيا، بعد أن يخربها حزب الشيطان وأعوانهم، وينشروا الرعب والارهاب، وكل أنواع الفساد على الأرض.
واقتضت إرادته أن يكون الاصلاح في آخر الزمان على يد رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله(ص) خاتم الانبياء والمرسلين، يصلحها من كل فساد، وينشر العدل بدل الظلم الذي ينتشر فيها بشكل مفرط.
واقتضت إرادة الله تعالى أن يمد في عمر ابن الامام الحسن العسكري الولد الوحيد للإمام الى آخر الزمان، العمر الذي اختلفوا في امكانه وعدم امكانه، والذي ثبت امكانه من جانب علمي وتاريخي وعقيدي.
واقتضت إرادته تعالى ان تكون للحجة القائم غيبتان صغرى وكبرى ثم ظهور عن عمر يناهز الاربعين عاماً كما جاء في الروايات...
كما اقتضت الارادة الإلهية ان تكون للمهدي المنتظر القوة والغلبة والعالمية التي لم يمكـّنها لأي معصوم من الأولين والآخرين من أنبياء ورسل وأئمة، ولأي ولي صالح وقائد مخلص، أوغير مخلص...
المراجع والمصادر
ـ القرآن الكريم
ـ نهج البلاغة
ـ تفسير الميزان / العلامة الطباطبائي
ـ التفسير الكاشف / محمد جواد مغنية
ـ بحار الانوار / المجلسي
ـ المهدي / السيد صدر الدين الصدر.
ـ المستدرك على الصحيحين.
ـ المهدي بين العلم والاديان / علي أكبر بور.
ـ صحيح البخاري / البخاري.
ـ سيرة الرسول وأهل بيته / ج 2 / دار البلاغ
ـ سيرة الائمة الاثني عشر / هاشم معروف الحسني
ـ الامام المهدي في القرآن والسنة / سعيد ابو معاش
ـ معالم الحكومة في عهد الامام المهدي(عج) / شهاب الدين حسيني.
ـ في انتظار الامام / عبد الهادي الفضلي.
ـ أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين العاملي.
ـ وسائل الشيعة / الحر العاملي.
ـ عقائد الامامية / الشيخ المظفر.
ـ الحاوي للفتاوي / ج2.
ـ مجلة المقتطف / العدد الثالث.
ـ مجلة اطلاعات النسوية / العدد 311.
البطاقة الشخصية للباحثة
ـ ماجدة سيد حسين آل مرتضى المؤمن
ـ كاتبة وباحثة ومبلغة وخطيبة من مواليد النجف الأشرف عام 1961م جمهورية العراق
ـ شاركت في عدد من المؤتمرات والندوات الاسلامية والثقافية
ـ حاصلة على شهادة ليسانس في الشريعة الاسلامية ( سطح 3) في حوزة قم المقدسة.
ـ وشهادة ليسانس في علم النفس كلية الدراسات الانسانية في لندن.
ـ ولها اهتمام في تاريخ الحضارات والتربية والاسرة، وقد درّست هذه المواد اضافة الى تدريسها مادة التربية وعلم النفس والفقه والاصول لعدة سنين.
ـ لها عدد من الكتب والمؤلفات وعشرات المقالات والبحوث المنشورة
ـ ومن أهم كتبها المطبوعة:
ـ الحج عبر الحضارات والأمم / 288صفحة / طُبع في الجمهورية الاسلامية الايرانية
ـ بنو اسرائيل والحضارة المصرية / 368صفحة/ طُبع في لبنان، بيروت
ـ موسوعة المنبر الحسيني / ثلاثة أجزاء/ كل جزء 522 صفحة طُبع في الجمهورية الاسلامية الايرانية
ـ الأكل والشرب والشفاء من المرض عند النبي والأئمة الأطهار للطبرسي ( تحقيق) 264صفحة / طُبع في الجمهورية الاسلامية الايرانية
ـ وكتب أخرى تحت الطبع في لبنان وايران والعراق
ـ ومن أهم المقالات والبحوث المنشورة:
ـ الاسلام دين الانفتاح والبهجة
ـ متى ستتبدل نظرة الغرب للمرأة
ـ القيمومة سلطة ام مسؤولية شرعية
ـ التفكير والتفكر
ـ التعليم المختلط وأثاره السلبية في المجتمع الاسلامي
ـ الاسلام والتربية القرآنية
ـ الآثار التربوية والنفسية للصلاة
ـ التكييف الجزائي للمجتمعات، والحدود والتعزيرات وأثرهما في تعديل السلوك وبناء المجتمعات.
ـ النوم والأحلام وأثرهما في سلوك الإنسان
ـ المراقبة والمحاسبة وأثرهما التربوي
ـ ومقالات أخرى في التربية وعلم النفس والتاريخ وغير ذلك
ـ وسلسلة من أعلام النساء في صدر الاسلام
ـ ولها كذلك مشاريع علمية وثقافية واسلامية متنوعة
--------------------------------------------------------------------------------
[1]. النجم / الآيات 43 الى 48.
[2]. مريم / 59.
[3]. الميزان في تفسير القرآن / العلامة الطباطبائي / ج 19 / ص 49 – 50.
[4]. الميزان في تفسير القرآن / العلامة الطباطبائي / ج 19 / ص 50.
[5]. القصص / 5
[6]. النور / 55
[7]. سبأ / 28 ـ 30.
[8]. التوبة / 33؛ الصف / 9.
[9]. الأحزاب / 45 و 46.
[10]. بحار الأنوار / ج 13 / ص 187.
[11].نفسه.
[12]. فنيق: الفحل من الإبل، وكظوم: امساك وسكون.
[13]. نهج البلاغة / تحقيق صبحي الصالح / الخطبة رقم 180 / ص 157.
[14]. منتخب الأثر / ص 168.
[15]. المستدرك على الصحيحين / ج 4 / ص 465.
[16]. صحيح البخاري / ج 9 / ص 74.
[17]. الملاحم والفتن / 231.
[18]. عقد الدرر / ص 96.
[19]. الكافي / الكليني / ج 1 / ص 340.
[20]. بحار الانوار / ج 52 / 222.
[21]. المهدي / السيد صدر الدين الصدر / ص 107.
[22]. مريم / 12.
[23]. مريم / الآيتان: 29- 30.
[24]. العنكبوت / 14.
[25]. الكهف / 25.
[26]. الصافات / 143 و 144
[27]. النساء / 157
[28]. عمر المهدي بين العلم والأديان / علي أكبر بور / ص 72.
[29]. الأنبياء / 44.
[30]. البقرة / 259.
[31]. انظر: المهدي بين العلم والأديان / علي أكبر بور.
[32]. انظر: نفسه.
[33]. في انتظار الامام / عبد الهادي الفضلي / ص 45.
[34]. الحاوي للفتاوي / ج 2 / ص 146.
[35]. بحار الأنوار / المجلسي / ج 52 / ص 354.
[36]. نفسه/ ص 336.
[37]. نفسه/ ص 391.
[38]. نفسه/ ص 368.
إعادة قراءة فلسفة الانتظار
الملخص
إن القرآن الكريم يؤكد على شخصية التاريخ وواقعيته، كما يؤكد على الاتجاه الارتقائي والتكاملي للمجتمع. والمعارك البشرية تتجه على مر التاريخ بالتدريج نحو اتخاذ صفة أيديولوجية، ويتجه الإنسان بالتدريج نحو التكامل في قيمة الإنسانية، أي يقترب من الإنسان المتعالي ومن المجتمع المثالي. وستكون نهاية المسيرة الإنسانية إقامة حكومة العدل وحكومة سيادة القيم الإنسانية، أو بالتعبير الإسلامي: "حكومة المهدي".
يهدف هذا البحث إلی إزالة النظرة التشاؤمية إلى فترة الغيبة ويفيد أنها حلقة من مراحل الاستكمال التدريجي للإمام والبلوغ التدريجي للبشر. ويری الباحث أن فترة الغيبة الكبرى هي جزء من ولاية المهدي التي تتراوح بين الغياب والظهور، ونستمد من توحد الظهور بالبطون في الأسماء الإلهية الشريفة, لنقول إن غياب المهدي(عج) قد يكون بحد ذاته حضوراً لحقيقته من خلال تحريك العقل والاجتهاد في تعاطي الأمة التي غاب عنها وليها, وناب عنه علماء وفقهاء وضعت على عاتقهم إدارة شؤون الناس وشجونهم بتوظيف العقل في استنباط المتغيرات من ثوابت العقل والشرع.
المقدمة
تنطلق هذه المقالة من "إن الولاية سر النبوة وباطنها".
أصبحت النبوة ساحة لظهور الأشياء، لا في النبوة التشريعية التي من شأنها إظهار ما في الغيب بسرد الوحي والألفاظ فحسب, بل وأيضاً في النبوة التكوينية التي من شأنها إظهار ما في باطن هذا العالم من الحقائق والأسرار. وهكذا أصبحت الولاية ساحة لبطون الأشياء. إذ إن لكل شيء ظهراً ولظهره بطناً,
وإذا كان محمد(ص) خاتم الأنبياء, وبه اكتمل الدين في التنظير للشريعة الأسمى وبروز مظاهره, وتمت النعمة الإلهية على صعيد النظر والفكر والأيديولوجيا, فسميّه والملقب بلقبه: الحجة بن الحسن(عج) خاتم الأولياء, وبه يكتمل الدين في تطبيق الشريعة الحقة وبروز أسرارها وكنوزها عبر العدالة الإلهية العالمية.
في هذه القراءة يمكننا تقسيم الأدوار التاريخية إلى دورتين رئيسيتين:
الدورة الأولى
فترة النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب, وتبدأ بآدم(ع) وتنتهي بخاتم الأنبياء(ص).
في هذه المرحلة تأتي الشرايع الإلهية واحدة بعد أخرى, وكل شريعة تنسخ ما سبقها. وتلغي مفعولها وتقدم نموذجاً جديداً يواكب مع مستجدات الحضارة البشرية مع الاحتفاظ بجوهر الدين الواحد.
الدورة الثانية
هي دورة الولاية التي اعتبرنا باطن النبوة, وهي تبدأ بولاية الإمام علي بن أبي طالب(ع), وتستمر إلى آخر نشأة الدنيا. وبانتهائها تنطوي السموات والأرض, ويستعد الإنسان للبدء بحياة الخلد.
الدورة الثانية أيضاً تنقسم إلى فترة قصيرة جداً تتوزع بين ولاية الأئمة الأحد عشر، وتليها مرحلة ولاية خاتم الأنبياء، التي تنقسم بين الغيبة الصغرى والكبرى والثورة العالمية.
في قراءة سريعة عن ركائز هاتين الدورتين, أرى أن دورة النبوة تمتاز بصفتين أساسيتين:
الأولى: حضور الإنسان الكامل أي النبي بين حين وآخر بين الناس, ليقدم لهم أسوة حسنة تتجسد فيها القيم الإلهية, وتتبلور هذه القيم في شخصيته وأنماط علاقته بالناس وحياتهم الفردية والاجتماعية .
والثانية: الإعجاز المقرون بالتحدي كآية بينة لإثبات مصداقية نبوءة النبي و علاقته بمنبع القدرة المطلقة. هذه المعجزات عادة أمور تخرق النظام الإعدادي الحاكم على مسار المادة في الطبيعة, كناقة تظهر من تفجر جبل, وإلقاء عصاً تصبح ثعباناً مرعباً, والتحدث مع النمل والطير, وتسخير الرياح, وتسبيح الحصا في كف النبي, وشفاء الأكمه والأبرص, وإحياء الموتى. وهي عادة تنسجم مع معطيات العقلية البشرية الآخذة بالتطور والارتقاء من نبي إلى نبي آخر.
هذا الغياب التدريجي لأئمتنا الأطهار(ع), يأتي حسب رأيي في سياق التمهيد للغيبة الصغرى والغيبة الكبرى للحجة الثاني عشر
إلاّ أن هناك أكثر من برهان عقلي ونص شرعي يزيل النظرة التشاؤمية إلى فترة الغيبة ويفيد أنها حلقة من مراحل الاستكمال التدريجي للإمام والبلوغ التدريجي للبشر. إن اعتبار فترة الغيبة فراغاً سياسياً وخروجاً على الأصل يساوي اعتبار نهضة المنجي على حد تعبير الشهيد المطهري:
ذات طابع انفجاري محض، ناتجة عن انتشار الظلم والفساد والطغيان، أي أن مسألة الظهور نوع من الإصلاح الناتج عن تصاعد الفساد.[1]
وهذا باطل عقلاً, لاستحالة الطفرة أولاً, ولاستحالة التراجع من الكمال إلى النقص في أية حركة لالإنسان الذي هو العالم الصغير وللعالم الذي هو الإنسان الكبير ثانياً.
إن غياب المهدي بجسده, الذي يفتح المجال لحضوره بحقيقته ونوره الذي هو العقل, يهيء الأرضية في نضج المجتمع البشري الذي يجب أن يتأهل لأن يقوم هو بالقسط,:(لِيقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). وسيف المهدي لا يشهر على الناس بل على الطغاة الذين يأسرون عقول الناس وقلوبهم وأرواحهم وأبدانهم.
الولاية باطن النبوة
الحقيقة الغيبية المقدسة عن تعينات الأسماء والصفات أرادت أن تخرج من كتم العماء, وأحبت أن ترى نفسها في مرائى الأسماء والصفات. فتجلّت على الاسم الأعظم الذي يستجمع فيه كل الأسماء والأوصاف, وتمظهرت في الحقيقة المحمدية التي تعم جميع مراتب المخلوقات والظهورات. هذا التقابل بين حضرة الغيب وحضرة الكون الجامع, أدى بدوره إلى ظهور بقية الأسماء والصفات واحدة تلو أخرى، فبرز الغيب المغيّب مرة في الاسم "الظاهر", وتحقق في سلسلة الأنبياء, وأخرى في الاسم "الباطن", وتجلى في سلسلة الأولياء.
هكذا أصبحت النبوة ساحة لظهور الأشياء، لا في النبوة التشريعية التي من شأنها إظهار ما في الغيب بسرد الوحي والألفاظ فحسب, بل وأيضاً في النبوة التكوينية التي من شأنها إظهار ما في باطن هذا العالم من الحقائق والأسرار. وهكذا أصبحت الولاية ساحة لبطون الأشياء. إذ إن لكل شيء ظهراً ولظهره بطناً, مثل القرآن الذي هو نسخة صادقة عن كل مراتب الوجود, وبالأحرى كل مراتب الظهور. والنسخة طبق الأصل. فأصبح للقرآن ظهر, ولظهره بطن, ولبطنه بطن إلى سبعين بطناً. فأصبحت النبوة في عالمي التكوين والتشريع مجلى الظهور, والولاية موطن البطون. وتسنّى لنا أن نقول:
إن الولاية سر النبوة وباطنها.
وإذا كان يتحتم على النبوة في عالم الناسوت أن تنتشر في آفاق الجغرافيا, وتتوزع في أعماق التاريخ بدءً من أبينا آدم عليه السلام، الذي ابتدأ به سير الإنسان في سكة الزمان, مروراً بالأنبياء والمرسلين الذين أخذوا بيد البشرية, وساروا بها على درب الهداية خطوة خطوة, ومهدّوا الأرواح والأنفس لأعظم حدث ومنعطف في تاريخ الإنسانية, تمثل في نزول القرآن على قلب خاتم الأنبياء، فكذلك تحتم على الولاية أن تنتشر في عالم الناسوت بين فترات التاريخ, بدءً من الولاية العلوية, ومروراً بالحجج الطاهرة الذين فسروا القرآن وحققوا محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ومطلقه ومقيده, وقدّموا في سلوكهم وتعاملهم تفسيراً حياً له, وفجروا في القرآن اثنتي عشرة عيناً حتى يعلم كل أناس مشربهم, ويتهيأوا لأعظم حدث يتحقق به القسط الذي نادى به جميع الأنبياء والمرسلين.
وإذا كان محمد(ص) خاتم الأنبياء, وبه اكتمل الدين في التنظير للشريعة الأسمى وبروز مظاهره, وتمت النعمة الإلهية على صعيد النظر والفكر والأيديولوجيا, فسميّه والملقب بلقبه: الحجة بن الحسن(عج) خاتم الأولياء, وبه يكتمل الدين في تطبيق الشريعة الحقة وبروز أسرارها وكنوزها عبر العدالة الإلهية العالمية.
"فدائرة الولاية هي باطن دائرة النبوة. وهي في كامل التماثل مع دائرة النبوة, لأن النبوة من جانبها ليست غير ظاهر هذه الولاية … وكما أن دائرة النبوة قد وجدت كمالها وتمامها في خاتم الأنبياء، كذلك دائرة الولاية تجد مقامها في خاتم الأولياء".[2]
ورغم أن أقوال شراح فصوص الحكم تضارب بشأن خاتم الأولياء, حيث أن الشيخ الجندي رأى ختم الولاية في شخص الشيخ الأكبر ابن عربي, وأفاد القيصري أن ابن عربي يصرّح في كلماته بأن عيسى هو خاتم الأولياء, لكن ابن عربي نفسه يقول إن ختم الولاية يخصّ سر الأنبياء وإمام العالمين علياً(ع), لأن علياً كان أقرب الناس إلى رسول الله. هذا بحسب الرتبة. وأما بحسب الزمان, فالخاتم المطلق عنده هو المهدي المنتظر. وعيسى وإن كان بحسب الظاهر والزمان خاتماً للولاية العامة، أما بحسب المعنى فهو مختوم بالختم المحمدي أي المهدي عليه السلام، لأن ولاية عيسى تكون من لمعات الولاية المهدوية, وهي حسنة من حسنات الإمام المنتظر".[3]
كذلك يرى ابن عربي في الفصوص أن:"الفتوح الربانية ثلاثة: الأول عبارة عن الفتح القريب, وهو المشار إليه بقوله: (نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ). والثاني هو الفتح المبين. وهو المشار إليه بقوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا). وأعلى الفتوح هو الفتح المطلق المشار إليه بقوله: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ). ونصر الله العزيز لا يتحقق إلاّ بوجود المهدي(عج), لأن هذا الفتح وإن ظهر بعض آثاره, لكن الظهور التام يحصل بوجود المهدي، ولذا قال ابن عربي أن النصر العزيز من مختصاته(عج).
والمقصود بالخاتم كما يقول الشيخ العارف عبد الرزاق القاساني: "هو الذي يقطع المقامات بأسرها ويبلغ نهاية الكمال. والبالغ إلى نهاية الكمال واحد لا يقبل التعدد. وخاتم النبوة هو الذي ختم الله به النبوة, ولا يكون إلاّ واحداَ وهو نبينا(ص). وكذلك خاتم الولاية على الإطلاق. وهو أيضاً لا يتعدد. وهو الذي يبلغ به صلاح الدنيا والآخرة ونهاية الكمال, ويختّل بموته النظام. وهو المهدي الموعود عليه السلام الخاتم لجميع مراتب الولاية ودرجات الإلهية".[4]
ننتقل الآن من هذه المقدمة إلى نتيجة أساسية تتفرع من اعتبار الولاية سراً وباطناً للنبوة, واعتبار خاتمية الولاية سراً وباطناً لخاتمية النبوة. هذه النتيجة هي: الاعتراف بأن زمن المهدي(عج) وفترة إمامته هي فترة بلوغ الإنسان وفترة تطبيق الشريعة الكاملة الحقة، التي لم تتحقق في زمن الأنبياء، مما يدفعنا نحو دراسة مراحل تطور واستكمال المجتمع البشري, ليتسنى لنا المجال بعد ذلك في الحديث عن سرّ غيبة المهدي(عج), ودور هذه الغيبة في مسار تكامل الإنسان.
إن القرآن الكريم في قراءة الشهيد المطهري; "يؤكد على شخصية التاريخ وواقعيته، كما يؤكد على الاتجاه الارتقائي والتكاملي للمجتمع. والمعارك البشرية تتجه على مر التاريخ بالتدريج نحو اتخاذ صفة أيديولوجية، ويتجه الإنسان بالتدريج نحو التكامل في قيمة الإنسانية، أي يقترب من الإنسان المتعالي ومن المجتمع المثالي. وستكون نهاية المسيرة الإنسانية إقامة حكومة العدل وحكومة سيادة القيم الإنسانية، أو بالتعبير الإسلامي: "حكومة المهدي".[5]
ويلتقي الشهيد المطهري مع تويمبي في أن:
انحطاط الحضارات أمر لا يمكن رفضه، لكن تاريخ البشرية يسير نحو مسيرة تكاملة.[6]
هذا الاعتراف بمبدأ الاتجاه الإرتقائي والحركة التكاملية كاتجاه عام للمجتمع البشري في صناعة تاريخه, يتفق أيضاً مع تفسير الحكمة المتعالية الصدرائية لواقع الحركة في قوس الصعود. فالحركة في هذه المدرسة الفلسفية العرفانية تفسّر وتعرّف بالخروج التدريجي للأشياء من القوة إلى الفعل. وحيث أن نسبة القوة إلى الفعل هي نسبة النقص إلى الكمال، ويستحيل عقلياً الرجوع من الفعل إلى القوة، فكل الحركات والتبدلات في عالم الناسوت وفي قوس الصعود تتم بالخروج من النقص إلى الكمال، بما فيها التطورات التي تحصل في المجتمع البشري على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وخاصة مع ملاحظة أن النفس الإنسانية جسمانية الحدوث وروحانية البقاء، فهي أيضاً تتّبع نفس النظام. والأهم من هذا, ملاحظة الآيات القرآنية الجمة التي تؤكد على رجوع الأمور والأشياء كلها إلى الله: (وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) و(وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ), مما يرفض إمكانية الحركة القهقرية والتراجع عن الاستكمال في الدنيا وحتى في الآخرة: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ).
إن الاقتناع بهذه الرؤية الكونية يترسخ في فكرة المهدوية التي على قول الشهيد المطهري: "تنطوي على نظرة تفاؤلية تجاه المسيرة العامة للنظام الطبيعي وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل بالمستقبل، وتزيل كل النظريات التشاؤمية بالنسبة لما تنتظره في آخر تطلعاتها … والقرآن الكريم يرفض بشدة النظرة العبثية إلى التاريخ، ويشدّد على وجود قواعد ثابتة دائمة لمسيرة الأمم والجماعات، فيقول: (فَهَلْ ينظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)[7].[8]
من هذه الآراء العبثية, ما نقرأه من "رسل" في كتابه:"في الآفاق الجديدة": "ثمة أفراد ـ منهم اينشتاين ـ يزعمون أنه من المحتمل جداً أن يكون الإنسان قد طوى دورة حياته، وسيستطيع خلال السنوات القليلة القادمة أن يبيد نفسه بما يتمتع به من مهارة عملية فائقة".[9]
طبعاً, لا نقصد بالحركة التكاملية التاريخية فكرة الحتمية التاريخية التي بناها بعض التيارات الفلسفية المادية كالماركسية, والتي لا تدع أي مجال لمبدأ الحرية والاختيار للإنسان.صحيح أن الإنسان مسيّر لمستقبل سيكون أفضل من الحاضر والماضي. لكن له الخيار أن يكون في داخله نفساً تستجمع جميع أسماء الله, من منطلق: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا), فيصبح خليفة "الله" في أرضه, وينال مقال العبودية التي كنهها الربوبية، وله الخيار في تفتيت هذا الاستجماع وتبني التفرق المذكور في الآية الشريفة: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
والآية الشريفة (وَإِن تَتَوَلَّوْا يسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ), وكذلك: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ), تدلان على اختيار الإنسان في عين حتمية تحقق الإرادة الإلهية بشأن استكمال الإنسان فرداً وجماعة.
ثم إن الاقتناع بمبدأ الحركة التكاملية التاريخية في عين الاعتراف بحرية الإنسان واختياره في تحديد مرتبته في هذه المجموعة اللامتناهية من كلمات الله ومخلوقاته, يتطلب منا دراسة الفترات التاريخية التي مرت وتمر بالمجتمع البشري للتعرف على حكمة غيبة المهدي(عج).
فتقول: إن تقسيم التاريخ إلى مراحله وأطواره يتنوع بتنوع المعايير التي نختارها للتعريف بالإنسان ومجتمعه. حيث يمكن إجراء التقسيم باعتماد مبدأ السياسة والإرادة, فتنقسم المراحل في كل شعب بين الأفراد والعوائل المالكة التي حكمت على رقاب الناس، أو اعتماد مبدأ الاقتصاد, ويأتي الحديث عن الاشتراكية الأولى والرقية والإقطاعية والرأسمالية والشيوعية في التقسيم الماركسي, أو اعتماد مبدأ الثقافات والحضارات التي تذكرنا بالحضارات الصينية والمصرية واليونانية والروسية والفارسية والغربية.
لكن الثقافة الإسلامية والشيعية التي نفتخر بها ترسم لنا أدوار التاريخ بنحو مختلف تماماً, وتعتمد على مبدأ الشرايع السماوية التي ترى أن جوهر الارتقاء يكمن في العبادة كآلية للتقريب إلى الله أي الكمال المطلق.
نلاحظ هنا أن الدين يستخدم دائماً في القرآن بلفظه المفرد: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، (وَمَن يبْتَغِ غَيرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يقْبَلَ مِنْهُ). والاختلاف لا يتعرض لجوهر الدين الذي يبقى واحداً منذ اللحظة الأولى لتاريخ البشر ومجيء آدم كأول إنسان وأول نبي، حتى نهاية التاريخ وانطواء الدنيا، بل يتعرض للشرايع التي تبرمج حياة الإنسان في شؤونه وعلاقاته المتشابكة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)[10]، مما يعني أن الدين حقيقة واحدة, لكنها مشككة تتظاهر في الشرايع المختلفة التي ليست إلاّ حلقات مرتبطة بعضها بالبعض أشد ارتباط. فالطفرة مستحيلة سواء في عالم التكوين أو نظام التشريع.
في هذه القراءة يمكننا تقسيم الأدوار التاريخية إلى دورتين رئيسيتين:
الدورة الأولى: فترة النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب, وتبدأ بآدم(ع) وتنتهي بخاتم الأنبياء(ص).
في هذه المرحلة تأتي الشرايع الإلهية واحدة بعد أخرى, وكل شريعة تنسخ ما سبقها. وتلغي مفعولها وتقدم نموذجاً جديداً يواكب مع مستجدات الحضارة البشرية مع الاحتفاظ بجوهر الدين الواحد.
الدورة الثانية: هي دورة الولاية التي اعتبرنا باطن النبوة, وهي تبدأ بولاية الإمام علي بن أبي طالب(ع), وتستمر إلى آخر نشأة الدنيا. وبانتهائها تنطوي السموات والأرض, ويستعد الإنسان للبدء بحياة الخلد.
الدورة الثانية أيضاً تنقسم إلى فترة قصيرة جداً تتوزع بين ولاية الأئمة الأحد عشر، وتليها مرحلة ولاية خاتم الأنبياء، التي تنقسم بين الغيبة الصغرى والكبرى والثورة العالمية.
في قراءة سريعة عن ركائز هاتين الدورتين, أرى أن دورة النبوة تمتاز بصفتين أساسيتين: الأولى: حضور الإنسان الكامل أي النبي بين حين وآخر بين الناس, ليقدم لهم أسوة حسنة تتجسد فيها القيم الإلهية, وتتبلور هذه القيم في شخصيته وأنماط علاقته بالناس وحياتهم الفردية والاجتماعية . والثانية: الإعجاز المقرون بالتحدي كآية بينة لإثبات مصداقية نبوءة النبي و علاقته بمنبع القدرة المطلقة. هذه المعجزات عادة أمور تخرق النظام الإعدادي الحاكم على مسار المادة في الطبيعة, كناقة تظهر من تفجر جبل, وإلقاء عصاً تصبح ثعباناً مرعباً, والتحدث مع النمل والطير, وتسخير الرياح, وتسبيح الحصا في كف النبي, وشفاء الأكمه والأبرص, وإحياء الموتى. وهي عادة تنسجم مع معطيات العقلية البشرية الآخذة بالتطور والارتقاء من نبي إلى نبي آخر.
هذه الخطوات, تمهد لمرحلة هامة من بلوغ الفكر والعقل واكتساب أهلية لتلقّي معجزة خالدة لا تكون خرقاً لنظام الطبيعة والجسم, بل تكون خرقاً لحجب الفكر ومطبات العقل. وهي تتجلى في الكلام واللغة التي هي آية الفكر. هذا المنعطف, يطوي دورة النبوة التي تشبه دورة الطفولة وحياة ما قبل البلوغ, والتي يحتاج فيها البشر إلى رعاية إلهية محسوسة تتمثل بحضور النبي في الشارع وبين الناس وبيده معجزة تثبت لتلك العقلية علاقة النبي برب السماء.
هذا المجتمع في دورة الولاية يصل إلى مستوى من البلوغ الفكري لا يحتاج فيه إلى نبيّ مدجج بمعجزة طبيعية تثبت صدقه. لكنه في دورة انتقالية ولو قصيرة يحتاج إلى حضور إنسان كامل كالنبي وهو إمام معصوم يقدم نموذجاً عملياً لإمكانية تحقيق المثل والقيم على صعيد الواقع.
هذه الفترة القصيرة تمتاز بحضور الإنسان الكامل في الشارع وبين الناس، لكن عنصر الإعجاز المقرون بالتحدي يغيب عن الساحة ليصبح التعقل والتدبر بديلاً عنه. طبعاً لا نقصد بالبلوغ الفكري والتعقل أن الإنسان يستغنى عن الوحي والإعجاز. كلاّ. بل المقصود أن القرآن باعتباره المعجزة الخالدة الأخيرة يؤكد على إعجازه لا عبر اختراقٍ في نظام الطبيعة, بل عبر مناشدة العقول ومخاطبة الأفكار بالدعوة إلى التعقل والتدبر في آياته المعجزة التي رغم ثباتها بألفاظها واستحالة أي تغير في كلمة واحدة منها, لكنها تواكب كل المتغيرات والمستجدات التي ستطرؤ على الآفاق والأنفس بل تتنبؤ بها قبل حدوثها.
صحيح أن بعض الكرامات تظهر بأيدي الأئمة(ع) بعد غياب عنصر الإعجاز المقرون بالتحدي, لكنها هي أيضاً تخف شيئاً فشيئاً من إمام سابق إلى إمام لاحق.
اللافت للنظر أن العنصر الأول أي حضور الإمام المعصوم الذي يفسر القرآن بقوله وفعله وتقريره, هو أيضاً يتقلص تدريجياً في الأئمة الستة الأواخر. فبعدما يعمل الإمام الصادق على بلورة صياغة شبه كاملة للمذهب الشيعي في فقهه وأصولهو كلامه وتفسيره في مدرسته العلمية الرائعة, نواجه ابتعاد الإمام الكاظم(ع) عن الجمهور في فترة السجن، وإقصاء الإمام الرضا(ع) عن وطنه والرقابة المشددة عليه رغم تعيّنه لولاية العهد في طوس, وخفة حضور الإمام الجواد(ع) الذي دام عمره خمساً وعشرين سنه والذي يعقبه الإمام علي والإمام الحسن العسكريين8 الذين أمضيا معظم عمرهما الشريف في معسكر الخلافة العباسية الغاصبة.
هذا الغياب التدريجي لأئمتنا الأطهار(ع), يأتي حسب رأيي في سياق التمهيد للغيبة الصغرى والغيبة الكبرى للحجة الثاني عشر. أفضّل هنا، وقبل تقديم قراءتي عن سر الغيبة وحكمتها, أن نلقي نظرة عابرة على ترتب الغيبتين الصغرى والكبرى:
الحكمة الأساسية من إيجاد الغيبة الصغرى كما يقول الشهيد السيد محمد الصدر:
هو التمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى في الناس. إذ لو بدأ المهدي(عج) بالغيبة المطلقة فجأة وبدون إنذار وإرهاص لما أمكن إثبات وجوده في التاريخ، فتنقطع حجة الله على عباده.[11]
ويلتقي معه الشهيد محمد باقر الصدر بقوله:
إن القواعد الشعبية للإمامة الشيعية كانت على الاتصال بالإمام في كل عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حل المشاكل المتنوعة. فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة، وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية سببت هذه الغيبة المفاجأة الإحساس بفراغ دفعي هائل, قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله. فكان لا بد من تمهيد لهذه الغيبة, لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج, وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها.[12]
وكما كانت الغيبة الصغرى تمهيداً لتكيّف الناس مع ظروف الغيبة الكبرى, فكذلك سلسلة الأحداث التي تتعاقب في الغيبة الكبرى ليست إلاّ حلقات توطئ الأمور لظهور خاتم الأولياء.
من هذه الأحداث:"النهضة الخمينية التي برهنت عملياً على إمكانية إقامة الدولة الإسلامية العادلة في العصر الحاضر، المواكبة لتطوراته والمستجيبة لمتطلباته. ومجرد قيادة مثل هذه النهضة يمثل تمهيداً للثورة المهدوية، حيث يتضمن التعريف بهوية المصلح الكبير على الصعيد الإسلامي والعالمي. وإلى هذا الأثر تشير الأحاديث الشريفة عندما تقول بعد حديثها عن حركة الموطئة:"فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه". قال رسول الله(ص):
يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه.[13]
نلاحظ كيف أن التخطيط الإلهي يرتب حلقات تاريخ المجتمع البشري ويمهد للحلقات اللاحقة عبر الحلقات السابقة. كأنّ هذه الدورات الزمنية المترتبة تشبه الترتب المكاني في الكواكب والمجرات, حيث لا حلقة مفقودة فيها, وتشبه (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ ينقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ).
وفي نظرة عابرة وكما يقول السيد محمد الصدر: "نستطيع أن نلاحظ كيف أن خط الأنبياء الطويل والأعداد الكبيرة منهم إنما كان باعتبار التقديم والتمهيد للغرض الكبير، باعتبار أن البشرية حين أول وجودها كانت قاصرة عن فهم تفاصيل العدل الكامل. فلم يكن في الإمكان إيجاد المجتمع العادل الكامل الموعود في ربوعها لأول وهلة، بل كان لابد أن تسير البشرية تدريجياً إلى أن تصل إلى المستوى اللائق الذي يؤهلها لفهم العدل الكامل الذي يريد الله تطبيقه في اليوم الموعود".[14] وهو يرى أن الغرض الإلهي لدورة النبوة تمهيد الناس عبر الأنبياء, والغرض من دورة الولاية تمهيد الناس عبر الأئمة الأولياء لتطبيق العدل الكامل في اليوم الموعود بواسطة خاتم الأولياء.
الاعتراف بسرد الأحداث التاريخية حسب التخطيط الالهي لاستكمال الانسان, يتطلب منا دراسة غيبة الإمام المنتظر, وتحديد مكانة هذه الفترة في حلقات الاستكمال.
أول ما يخطر بالبال في هذا المجال هو أن محدودية عدد الأئمة الأطهار باثنى عشر إماماً حسب نصوصنا المتواترة تتطلب قبول استمرار ولاية المهدي(عج) منذ تسلمها بعد استشهاد أبيه حتى تحقيق ثورته. وافتراض أن يموت ثم يحييه الله تعالى يتنافي مع ضرورة استكماله التدريجي المواكب لتطورات المجتمع الإنساني في تكامل ما بعد العصمة. هذا التكامل التدريجي حقيقة عامة تشمل الأولياء والأنبياء بما فيهم نبي الإسلام المكرم(ص) الذي )دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى(.
"إن ما يمر به القائد من مصاعب ومحن في فترة الغيبة يوجب تصاعد كماله … وما يقوم به من أعمال فانه يتكامل بذلك ويزداد في أفق وجوده العظيم ترسخاً وعمقاً . وعقد المرحوم الكليني باباً بعنوان: "إن الأئمة يزدادون في ليلة جمعة " .[15] وقال الله تعالى:
(وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا).
تكامل الإمام المهدي هذا, يترافق مع تكامل البشر طوال الغيبة. وتعمق الفكر الإسلامي بواسطة العلماء والمفكرين " يجعل الأذهان مستعدة أكثر فأكثر لتقبل وفهم الأحكام التفصيلية التي يعلنها المهدي(عج) في دولته العالمية الموعودة … وليست الدقة في الفكر الإسلامي فقط هي التي تشارك في تعميق المستوى الثقافي اللازم تحققه في اليوم الموعود، بل يشارك في ذلك سائر القطاعات والشعوب في العالم بما تبذل من دقة وعمق في سائر العلوم, مضافاً إلى أن التقدم العلمي في سائر حقول المعرفة البشرية سوف يشارك مشاركة فعالة في بناء الغد المنشود".[16]
نعم، هذه القراءة التي تنظر إلى فترة غياب المهدي كحلقة من حلقات التطور والاستكمال, قد تصطدم بجمّ غفير من الأحاديث التي ترسم معالم هذه الفترة في إطار مفعم بالسيئات والشرور، كالروايات التي تشير إلى ظهور المهدي الذي (عج)به يملا الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً) . أو تلك التي ترى علامات قيام القائم فيما: (عج)إذا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال, وركبت ذات الفروج السروج وأمات الناس الصلوات واتبعوا الشهوات واستخفوا بالدماء وتعاملوا بالربا وتظاهروا بالزنا واستحلوا الكذب واخذوا الرشا واتبعوا الهدى وباعوا الدين بالدنيا وقطعوا الارحام وضنوا بالطعام… "[17], وما إلى ذلك مما قد يثير الشك في إصرارنا على اعتبار فترة الغيبة حلقةً من مراحل تكامل المجتمع البشري, ويعتبر هذا الزمن زمن سقوط القيم وتراجع البشرية عن خط الاستكمال الذي سلكته في زمن الأنبياء, ويفسر عصر الغيبة بفترة الفراغ وزمن الاستثناء. بالفعل هذا ما يراه الكثيرون منا. وبتعبير أحد الكتاب:
"الحضور التاريخي للشيعة كان يتقلب على ضفاف دولة الخلافة السنية, ويتكون خارج أروقتها ودوائرها, حيث غلب على الموقف السياسي للشيعة الانكفاء عن موضوع السلطة والحكم، وتعزز في الوعي رؤية متعالية حول الدولة والحكم ذات طبيعة نموذجية ومثالية . فالدولة الحقة هي التي ستحقق آخر الزمان بظهور الإمام المهدي(عج). أما زمن غيبة الإمام فهو فترة فراغ سياسي وزمن الاستثناء والخروج على الأصل . وكان أقصى ما ابتكره الاجتهاد الشيعي في المجال التنظيمي هو التأسيس لمرجعية الفقية كمرجعية إجرائية للجماعة الشيعية تحفظ وجودهم وتمنع اختراقهم . إلاّ أن هذه المرجعية تبلورت في سياق ملء الفراعات واستيعاب الظرف الطارئ للغيبة . فالأصالة للإمام ولزمانه والمؤقت للفقيه الذي سيصبح نائبه في تصريف الأعمال من دون أية صلاحية بملامسة كليات الواقع. فلا سلطة سياسية مشروعة في زمن الغيبة, ولاقيادة سياسية إلا للإمام المعصوم، إذ كل راية قبل الظهور و هي راية ضلال".(عج)د. وجيه قانصو. السفير). هذه فكرة تعود عليها الكثيرون.
إلاّ أن هناك أكثر من برهان عقلي ونص شرعي يزيل النظرة التشاؤمية إلى فترة الغيبة ويفيد أنها حلقة من مراحل الاستكمال التدريجي للإمام والبلوغ التدريجي للبشر. إن اعتبار فترة الغيبة فراغاً سياسياً وخروجاً على الأصل يساوي اعتبار نهضة المنجي على حد تعبير الشهيد المطهري:
ذات طابع انفجاري محض، ناتجة عن انتشار الظلم والفساد والطغيان، أي أن مسألة الظهور نوع من الإصلاح الناتج عن تصاعد الفساد.[18]
وهذا باطل عقلاً, لاستحالة الطفرة أولاً, ولاستحالة التراجع من الكمال إلى النقص في أية حركة لالإنسان الذي هو العالم الصغير وللعالم الذي هو الإنسان الكبير ثانياً.
وباطل نقلاً بصريح الآيات القرآنية التي تحيل كل الحركات والتطورات إلى الله الذي إليه المصير وإليه ترجع الأمور، وبصريح الروايات الموثوقة التي لا ترى بداً من تحقق فترة الغيبة لتكوين النضج العقلاني والأخلاقي بالابتلاء والامتحان, ومنها ما رواه الشيخ الصدوق; عن الإمام الصادق (ع):
إن ظهور المهدي لا يتحقق حتى يشقى من شقى ويسعد من سعد.[19]
فالحديث عن الظهور يدور حول بلوغ كل شقي وكل سعيد مداه في العمل، ولا يدور حول بلوغ الأشقياء فقط منتهى درجتهم في الشقاوة.
يقول الله تعالى:
(لِّيقْضِي اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَينَةٍ وَيحْيى مَنْ حَي عَن بَينَةٍ).[20]
والآية صريحة في ضرورة إجراء قانون التمحيص والاختبار. و"المجتمع الموعود لا يمكن أن يحدث ما لم تسبقه فترة من التمحيص".[21] كما أن الفرد "قبل حصول ظروف الجهاد وقبل تشريعه يكون ناقص التكوين حقيقة, لا مجاهداً ولا صابراً، وتكون حالته النفسية واتجاهاته مجملة".[22] ومن ثم قال الله تعالى:
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيعْلَمَ الصَّابِرِينَ).
من هنا يتبين أن ازدياد الفتن والمزلات بشكل تصاعدي في زمن الغيبة, وإن كان ظاهرها أمر سلبي تشاؤمي للغاية, لكنها تحمل في طياتها أمراً إيجابياً للغاية, وهو أن كثرة الابتلاءات بحد ذاتها تدلّ على ظهور نفوس مترسخة في الإيمان استطاعت أن تتجاوز العقبات الصغيرة وحان لها أن تضغط بمزيد من العراقيل وتبتلى بمزيد من المطبات، ولا بد للصراط أن يصبح أحد من السيف وأدق من الشعر، لأن أفضل الأعمال أهمزها. ولابد أن يكون حفظ الإيمان أصعب من حفظ نار … (لِيمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيبِ), وألا يكفي هذا لإثبات وجود الطيب إلى جانب الخبيث حسب الآية, ووجود السعيد إلى جانب الشقي حسب الرواية ؟
دعونا نتجاوز الظاهر ونتسلل في العمق، ونرى وراء الظاهر المفعم بالفتنة والفساد في فترة الغيبة باطناً رائعاً يتمثل في نفوس:
لا تضرها الفتنة شيئاً لأنهم يمثلون الحق صرفاً، وينتمون إلى قسطاط الحق الذي لا كفر فيه كما ورد في الأخبار.[23]
هذا, وإن التفاؤل بتكامل البشر على المستوى العلمي لا يقل عن التشاؤم من الابتذال الأخلاقي. وإذا كان العلم بدون التهذيب لا قيمة له, فالعكس أيضاً صحيح. وربما يعود إلى هذا التوازن, السر في تقديم التزكية على التعليم في الآية 2 من سورة الجمعة: (وَيزَكِّيهِمْ وَيعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) وتقديم التعليم على التزكية في الآية 129 من سورة البقرة: (وَيعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيزَكِّيهِمْ).
إن هذه القراءة تدعي أن اعتبار فترة الغيبة زمن الفراغ والاستثناء والخروج على الأصل له مردوده السلبي في إبعاد الشيعة عن التفاعل الإيجابي طوال دورة قد تطول أكثر من فترة تواجد الأنبياء وفترة حكومة المهدي نفسه والتي لا تدوم كثيراً.
وتفيد القراءة بعد تبني هذه النظرة التفاؤلية أن السر في غيبة الإمام المهدي لا ينحصر في الحفاظ على نفس الإمام وكثرة العدو كما ذهب إليه معظم متكلمي الشيعة. وعبارة العلامة الحلي في الباب الحادي عشر التي يقول فيها:"وأما سبب خفائه عليه السلام فإما لمصلحة استأثره بعلمها أو كثرة العدو وقلة الناصر"[24] تفتح المجال لأكثر من قراءة في علل غيبة المهدي وحكمتها.
انطلاقاً من الرؤية المتفائلة القائلة بأن فترة الغيبة مرحلة طويلة من تاريخ البشر, وحلقة أساسية من حلقات الاستكمال التدريجي للإنسان, نرى أن فترة الغيبة الكبرى هي جزء من ولاية المهدي التي تتراوح بين الغياب والظهور، ونستمد من توحد الظهور بالبطون في الأسماء الإلهية الشريفة, لنقول إن غياب المهدي (عج) قد يكون بحد ذاته حضوراً لحقيقته من خلال تحريك العقل والاجتهاد في تعاطي الأمة التي غاب عنها وليها, وناب عنه علماء وفقهاء وضعت على عاتقهم إدارة شؤون الناس وشجونهم بتوظيف العقل في استنباط المتغيرات من ثوابت العقل والشرع.
الخاتمة
إن غياب المهدي هو بعينه حضوره من خلال تحريك العقل وتوكيله وحجتنا أن خاتمية الولاية بالمهدي هي سّر لخاتمية النبوة بمحمد(ص). والحقيقة المحمدية هي العقل كله. والذي قال:"أول ما خلق الله نوري"، قال أيضاً "أول ما خلق الله العقل".
إن غياب المهدي بجسده, الذي يفتح المجال لحضوره بحقيقته ونوره الذي هو العقل, يهيء الأرضية في نضج المجتمع البشري الذي يجب أن يتأهل لأن يقوم هو بالقسط,: (لِيقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). وسيف المهدي لا يشهر على الناس بل على الطغاة الذين يأسرون عقول الناس وقلوبهم وأرواحهم وأبدانهم.
مصادر البحث
الحلي، العلامة. الباب الحادي عشر. بيروت: دار الأضواء
الصدر، محمد باقر. بحث حول المهدي. بيروت: دار التعارف للمطبوعات
الصدر، محمد. تاريخ الغيبة الكبرى. بيروت: دار التعارف للمطبوعات
قانصو، وجيه. إيران بين الدولة الولاية وولاية الدولة. بيروت: جريدة السفير.
القيصري. شرح فصوص الحكم . بيروت: مكتبة النور
كوربان، هانري. الشيعة الإثنى عشرية. ترجمة د. ذوقان قرقوط. القاهرة: مكتبة مدبولي
محمود، عرفان(عج)1418). النهضة الخمينية والتمهيد لظهور المهدي. مجلة الحياة الطيبة. العدد التجريبي
المطهري، مرتضى. نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ. بيروت: دار التيار الجديد
المطهري؛ مرتضى. نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ
------------------------------------------------------------------------------
* أستاذ مشارک في قسم اللغة العربية بجامعة اصفهان.
[1]. المطهري.نهضة المهدي43.
[2]. كوربان، ص287.
[3]. القيصري، ص850.
[4]. المصدر السابق، ص 151.
[5]. المطهري. نهضة المهدي، ص 11 ـ 21.
[6]. المصدر السابق،.ص 34.
[7]. سورة الفاطر / 43.
[8]. المصدر السابق، ص 6 ـ 10.
[9]. المصدر السابق، ص 41.
[10]. سورة المائدة / 48.
[11]. محمد الصدر، 32.2.
[12]. محمد باقر الصدر.
[13]. عرفان محمود.
[14]. محمد الصدر، ص207.
[15]. السيد محمد الصدر، ص 423.
[16]. نفس المصدر، ص 238.
[17]. نفس المصدر، ص 266.
[18]. المطهري، ص43.
[19]. السيد محمد الصدر.
[20]. الأنفال / 42.
[21]. السيد محمد الصدر، ص231.
[22]. نفس المصدر، ص 264.
[23]. نفس المصدر، ص 261.
[24]. العلامة الحلي، ص 118.
الخصوصية الصوفية للنظرية المهدوية
يُحمد لهذا المؤتمر اليوم حول النظرية المهدوية عدة أمور، لعل أهمّها من وجهة نظرنا ثلاثة: 1. إنّه يطرح مساحةً مشتركةً للحوار واللقاء وتبادل الرؤى في مسألة الخلاص بين المذاهب والأديان والفلسفات والحضارات؛ 2. وهو أيضاً يفتح المجال لأن يمتدّ شعاع البصر إلى المستقبل في سياق تجديدي متفائل، مشبوك بالخوارق والقوى الروحيّة، ويختلف جذريّاً عن مسارات الفكر الإصلاحي السائد منذ أكثر من قرنين؛ 3. كما أنّ المذاكرة في الإمام المهدي تستحثّ الوعي على نقد الواقع، ومحاكمة الدول، لا بالنظر إلى التقدّم والتخلّف وأسباب العمران المادي، بل بالنظر إلى ما تملأ به الواحدةُ منهم الأرضَ من ظلم وعدوان أو من حقّ وعدل.
وبناءً على هذه الفائدة الراهنيّة للموضوع أفتح دواوين محي الدين بن عربي لأصوغ نظريته في الإمام المهدي، وأجعل مداخلتي على أربعة أقسام آمل أن تحيط بالموضوع في حدود المتاح:
القسم الأول. التاريخ قبل الإمام المهدي
1. الإمامة الظاهرة والإمامة الباطنة
يستند ابن عربي إلى حديث نبوي يقول: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير مُلْكاً[1] ليفسّر نشأة دولة الباطن الصوفية في مقابل الدولة الظاهرة. في البدايات ـ وطوال الحكم الراشدي ـ كان الخليفة الحقّ أي المستخلف عن الله هو نفسه الخليفة الظاهر. ولكن، بعد الخليفة الرابع الإمام عليّ كرّم الله وجهه، انشرخ واقع الحكم والسلطة إلى واقعين: واقع ظاهر يحكمه الخليفة الظاهر الذي أخذت خلافته شكل المُلْك المتوارث، وواقع باطن على رأسه الإمام الباطن أو الخليفة الباطن أو القطب وهو الخليفة الحقّ.
وحيث أن فكر ابن عربي مستمدّ من الفضاء السنيّ، نرى أنّه لا يقول بقطيعة بين الخليفتين، بل يخبر بأن الخليفة الباطن يدعم الخليفة الظاهر ويمدّه.
يصوّر في عنقاء مغرب واقعة المبايعة وكيفيّة تداخل الظاهر والباطن فيها، يقول: واعلموا أنّ المبايعة لا تَقع إلا على الشرط المشروط [...] فقد يُبايَع شخص على الإمامة وفي غيره تكون العلامة. فتصحّ المبايعة على الصفات المعقولة [...] فيمدّ عند تلك المبايعة، للخليفة الناقص في ظاهر الجنس، الخليفةُ المطلوب يَدَه من حضرة القدس، فتقع المبايعة عليها من غير أن ينظر ببصره إليها.[2]
ويقول في بلغة الغواص ورقة 60 ـ 61: قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تصير مُلْكاً. فإنّه لما ضعف الخليفة الحقّ الذي هو القطب القائم بوراثة النبوّة عن الظهور بها احتجب بالملك الذي هو الخليفة ظاهراً، وأطلق عليه اسمه لبقاء صلاح العالم به، والخليفة الذي هو القطب ناظراً إليه وقائم به وممدّ له بحسب قبوله واستعداده.
إذن، نحن أمام عالمين؛ الظاهر منهما لا يلتفت إلى الباطن، أما الباطن فيدعم الظاهر ويمدّه بحسب قبوله لهذا الإمداد ولهذا العون، لأنه إمداد لا تسيير. ولا تنحصر سلطة الإمام الباطن بإمداد الملك الظاهر بل له الإمامة الكبرى التي تجعله صاحب السلطة الفعلي في الوجود.
2. دولة الباطن
يرسم ابن عربي في الفتوحات المكية ج 2 ص 3 ـ 29 هيكلية دولة الباطن. على رأسها شخص واحد هو القطب أو الإمام الباطن أو الخليفة الباطن وغير ذلك من أسماء، وتضم دولته إمامين [وزيرين] هما إمام اليمين وإمام اليسار، كما تضم أربعة أوتاد يحفظ الله بهم الجهات، وسبعة أبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، وغير ذلك كثير من رجال معدودين [عددهم محصور في الوجود] ورجال لا يحصرهم عددهم رجال المراتب [الملاميّة، العباد، الزهّاد...]. وهذه الدولة الباطنة المستمدة من العطاء الإلهي، بيدها القوّة الحقيقية، ولكن لا حكم لها في الظاهر في حياة البشر العامة.
3. دولة الإمام المهدي
مع تعاقب العصور ازداد خلفاء الظاهر ابتعاداً عن الخليفة الباطن، وامتلأت الأرض ظلماً وعدواناً، وقَتْلاً وفِتَناً.. ويذكر الحديث الشريف أحداث آخر الزمان قبيل قيام الساعة، وخروج المهدي بعد ظهور الظلم والجور في الدنيا وغلبهما على الحق، وأنّه رجل من أهل بيت النبوة من بني فاطمة عليها السلام يواطئ اسمه اسم رسول الله(ص) واسم أبيه اسم أبيه(ص)، يملك الناس ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً.[3]
ويتشارك المسلمون جميعاً الإيمان بخروج المهدي وبقيام دولته، نظراً لما ثبت من الحديث الصحيح. يقول ابن عربي: إن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، لولم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد طوّل الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة، من عترة رسول الله(ص) من ولد فاطمة، يواطئ اسمه اسم رسول الله(ص)، جدّه الحسن بن علي بن أبي طالب، يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله(ص) في خَلْقه ـ بفتح الخاء ـ وينزل عنه في الخُلق - بضم الخاء - لأنّه لا يكون أحد مثل رسول الله(ص) في أخلاقه، والله يقول فيه:
(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)[4]
إذن، المهدي يملك الناس ويقيم دولة بأمر من الله، لا برغبةِ إصلاحٍ يجدها في نفسه أو يدفعه إليها محيطه البشري. وفي قيام هذه الدولة مصالحة للتاريخ المنشرخ تاريخين بين الإمامة الظاهرة والإمامة الباطنة، لأنّ إمامها يردم المسافة بين الديني والسياسي بجمعه بين السلطتين الروحية والزمنية. وبالتالي يسكت النص الصوفي عن الكلام على دولة باطنة، لاتحاد الظاهر بالباطن والغيب بالشهادة.
القسم الثاني. الإمام المهدي: هويته ومنهجه
1. الهوية الروحية للمهدي المنتظر
أ. الولاية والخلافة والإمامة
إنّ المهدي ـ في رؤية ابن عربي ـ هو واحد من أهل ولاية الله سبحانه، بكل ما تستتبع الولاية من عرفان علمي وتصرّف في الكون بقدر ما ملّكه الله سبحانه من التصرّف فيه.
كما أنّ المهدي ـ في رؤية ابن عربي ـ هو واحد من أهل الخلافة الباطنة عن الله سبحانه، بكلّ ما تستتبع الخلافة من حُكْم ومُلْك.
والمهدي أيضاً ـ في رؤية ابن عربي ـ هو واحد من الأئمة في الكون، والإمامة هي المنزل الذي يكون النازل فيها متبوعاً وكلامه مسموعاً.[5]
إذن، إنّ المهدي هو ولي وخليفة وإمام معاً، ولكن هل هو مطلق ولي ومطلق خليفة ومطلق إمام أم له رتبةً مخصوصة في هذه الدوائر لا يشارك بها ؟ وللإجابة على هذا السؤال ننتقل إلى الفقرة اللاحقة.
ب. خَتْم الإمامة بالإمام الأكبر
يرى ابن عربي أنّ لكل أمر يخص الإنسان ختماً، فالرسالة والنبوّة خُتمتا بشخص رسول الله(ص)، فلا نبي بعده ولا رسول. وكذلك الولاية العامة خُتمت بشخص عيسى(ع)، والولاية المحمّديّة الخاصة خُتمت بشخصٍ نستشفّ من نصوص ابن عربي أنه يدلّ على نفسه.
وبناء عليه، فإنّ للإمامة أيضاً ختماً هو المهدي وهو الإمام الأكبر. وقولنا إنّ المهدي هم ختم الإمامة يعني أنّ الله سبحانه جمع له في إمامته كافّة وجوه الإمامة التي ظهرت متفرقة فيمن سبقه من الأئمة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية إنّه لن يأتي بعده إمام يكون هو الواحد المتبوع في الزمان.[6]
يقول ابن عربي: والإمام الأكبر المتبع الذي إليه النهاية والمرجع وتنعقد عليه أمور الأمة أجمع [...] وكلّ إمام تحت أمر هذا الإمام الأكبر، كما أنّه تحت قهر القاهر القدير، فهو الآخذ عن الحق، والمعطي بحق في حق فلا تحزبوه وانصروه.[7]
2. نهج الإمام المهدي
يستند ابن عربي إلى حديث نبوي ينصّ فيه رسول الله(ص) على أنّ الإمام المهدي معصوم في أحكامه، يقول(ص): يقفو أثري لا يخطئ.[8] ويفسّر ابن عربي سبب عصمة المهدي في أحكامه ومفارقته للخطأ بأنّه لا يحكم إلا بما يُلقي إليه الملك من عند الله، الذي بعثه إليه ليسدّده وذلك هو الشرع الحقيقي المحمّديّ الذي لو كان محمد(ص) حيّاً ورُفعت إليه تلك النازلة لم يحكم فيها إلاّ بما يحكم هذا الإمام، فيعلمه الله أنّ ذلك هو الشرع المحمدي.[9]
وينتج عن ذلك أمران:
الأمر الأول... ارتفاع المذاهب الفقهيّة من الأرض لانتفاء الحاجة إليها بوجود الإمام المعصوم في أحكامه. يقول ابن عربي عن الإمام المهدي: يقيم الدين، ينفخ الروح في الإسلام، يعز الإسلام به بعد ذله ويحيا بعد موته [...] يُظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه ما لو كان رسول الله(ص) لحكم به، فيرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخاص.[10]
الأمر الثاني... يحرّم المهدي على نفسه القياس إتّكاءً على ما يأتيه من أحكام. وهذا لا يعني أنّه غير خبير بالقياس بل العكس يعلمه ليتجنّبه. يقول ابن عربي مبيّناً عرضة القياس للغلط، وأنّه لا يصحّ أصلاً دينياً للمهدي المنصوص على عصمته في الأحكام: فالإمام يتعيّن عليه علم ما يكون بطريق التنزيل الإلهي وبين ما يكون بطريق القياس، وما يعلمه المهدي ـ أعني علم القياس ـ ليحكم به وإنّما يعلمه ليتجنّبه (...) فيحرم عليه القياس مـع وجود النصوص التي منحـه الله إياها.[11] ويقول في السياق نفسه: "فإنّ القياس ممن ليس بنبيّ حكم على الله في دين الله بما لا يعلم، فانّه طرد علّة، وما يدرك لعلّ الله لا يريد طرد تلك العلّة ولو أرادها لأبان عنها على لسان رسوله(ص) وأمر بطردها. هذا إذا كانت العلّة مما نصّ الشرع عليها في قضيّة فما ظنّك بعلّة يستخرجها الفقيه بنفسه ونظره من غير أن يذكرها الشرع بنص معيّن فيها، ثمّ بعد استنباطه إيّاها يطردها، فهذا تحكّم على تحكّم بشرع لم يأذن به الله. وهذا يمنع المهدي من القول بالقياس في دين الله. ولا سيما وهو يعلم أنّ مراد النبي(ص) التخفيف في التكليف عن هذه الأمّة، ولذلك كان يقول: اتركوني ما تركتكم، وكان يكره السؤال في الدين خوفاً من زيادة الحكم.[12]
القسم الثالث. أعمال الإمام المهدي... دولة الخوارق
تظهر أعمال الإمام المهدي في التبديل الذي يجريه في أحوال أهل الأرض، وهذا التبديل لا يتمّ بناء على قدرات ماديّة فقط بل يظهر المهدي بالخوارق. لكأنّ دولته هي دولة تقوم على قوى روحانيّة ربانيّة، تتعدّى القوى الماديّة المعروفة في الأرض في زمانه وتنتصر عليها.. إنّها تشبه في الملك ملك سليمان(ع) وتتخطّاها في أمور، لأنّها مظهر مُلْك محمّد رسول الله(ص)، يقول ابن عربي: ومحمّد(ص)... الرحمة للعالمين ذاتاً وصفاتاً، وتمام ملكه موقوف على ظهور المهدي.[13]
وهذه القوة التي تطبع دولة المهدي تدعو إلى التفكّر في التصوّر الإسلامي للخلاص في آخر الزمان، وأنّه لن يتم إلاّ باتحاد الباطن بالظاهر، والتحقق بالقوة الخيّرة التي تقيم دولة الحق والعدل في مواجهة القوة التي تقيم الدولة الظالمة الجائرة.
ومن أبرز التغييرات التي يقوم بها المهدي في الأرض:
أ. من الجور إلى العدل.. وهذا التغيير بشّر به رسول الله(ص)، وشهد له بالصوابيّة والعدل. وقد سبق قول ابن عربي إنّ لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً.
ب. من الضعف إلى القوة.. تبرز القوة الظاهرة كقيمة في زمن المهدي، ويصبح النصر علامة على التقوى والقرب وكلّ أشكال الولاية. يقول عنه ابن عربي: يخرج على فترة من الدين، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن (...) يمشي النصر بين يديه.[14] وفي سياق آخر يقول: فهو [= ختم الولاية المحمّديّة] والقرآن أخوان، كما أنّ المهدي والسيف أخوان.[15]
ج. من الجهل إلى العلم.. تعمّ المعرفة في زمن الإمام المهدي، لوجوده كمنبع عرفان في زمنه، وكذلك لانبساط اللطيف على الكثيف والروح على الجسد. يقول ابن عربي: ويُعرف ما أشار إليه من عموم البركات عند ظهور المهدي، حتى يكلّم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وفخذه بما عمله أهله من بعده. وتُفتح القسطنطينية بغير سلاح إلـى سائر ما ذكر(ص) لعموم انبساط اللطيف علـى الكثيف.[16]
د. من الفقر إلى الغنى.. يقول ابن عربي: يقسم [المهدي] المال بالسويّة، ويعدل بالرعيّة، ويفصل في القضيّة، يأتيه الرجل فيقول له: يا مهدي أعطني، وبين يديه المال فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.[17]
وبذلك تكون المعايير التي دافع عنها الصوفي وخاصة الفقر، قد تغيّرت لتغيُّر الزمان والإنسان، فالغنى أصبح أحد مقومات القوة، وبالتالي من كمال الإمامة.. ولا يجرح غنى اليدّ نقاءَ القلب من شهوة المال.
القسم الرابع... وزراء المهدي
تتكامل دولة المهدي بعدد من الوزراء، أصحاب قدرات مخصوصة، يعينونه على القيام بأعباء ملكه. يقول ابن عربي مخبراً عن أعداء المهدي ومبايعيه ووزرائه: أعداؤه مقلّدة العلماء أهل الاجتهاد، لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته ورغبة فيما لديه. يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم. يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي. له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلّده الله.[18]
وقد أفرد ابن عربي باباً في الفتوحات المكية هو الباب السادس والستون وثلثمائة، عنوانه:
في معرفة منزل وزراء المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشّر به رسول الله(ص) وهو من أهل البيت.[19]
وهؤلاء الوزراء عددهم دون العشرة تأكيداً، لهم القدم الراسخ في الصدق، والمهدي أصدق أهل زمانه، فوزراؤه الهداة وهو المهدي، لذلك ينصره الله ومن تابعه، لأنّ النصر أخو الصدق حيث كان يتبعه.[20] ويدلّل ابن عربي على التصاق النصر بالصدق بعدم انهزام المسلمين قط، كما أنّه لم ينهزم نبي قط. ويرى ابن عربي أنّه حتى لو تقابل جمعان متناقضان في العقيدة، فالغلبة ليس لمن عقيدته حقّة بل الغلبة للصادق في قضيته وإن كانت باطلة.. لأنّ النصر أخو الصدق.[21]
ويتردد ابن عربي في إثبات عدد وزراء المهدي، ويربط عددهم بعدد سنيّ دولة المهدي. وحيث أنّ مدة إقامة دولته من خمس إلى تسع، فيكون وزراؤه لا أقل من خمسة ولا أكثر من تسعة، لأنّه لكل عام في دولته أحوال مخصوصة، وعلم ما يصلح في ذلك العام خُصّ به وزير من وزرائه.[22] ويُقتلون كلّهم إلاّ واحداً منهم.
ولا يظلّ ابن عربي متردداً في عدد الوزراء، بل يحسم بالرقم تسعة إثر لقاء حمل إليه تعريفاً دون طلب منه، يقول: قيض الله واحداً من أهل الله تعالى وخاصته، يقال له أحمد بن عقاب اختصّه الله بالأهليّة صغيراً، فوقع منه ابتداءً ذكر هؤلاء الوزراء، فقال لي: هم تسعة، فقلت له: إن كانوا تسعة فإن مدة بقاء المهدي لا بدّ أن تكون تسع سنين.[23]
إن ما استفاد ابن عربي من أحمد بن عقاب هو عدد وزراء المهدي، أما ما تحتاجه دولة المهدي من علوم ويقوم به الوزراء، وبغض النظر عن عددهم، فهي تسعة علوم لا عاشر لها ولا تنقص عن ذلك[24] ويعرف ذلك ابن عربي دون الرجوع إلى أحد. وهذه العلوم التسعة هي:
1. نفوذ البصر.. وذلك ليكون دعاؤه إلى الله على بصيرة في المدعو إليه لا في المدعو، فينظر في عين كلّ مدعو ممن يدعوه فيرى ما يمكن له الإجابة إلى دعوته فيدعوه من ذلك.. فإنّ المهدي حجة الله على أهل زمانه.[25]
2. معرفة الخطاب الإلهي عند الإلقاء.. وهو قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً).[26] أما الوحي فهو ما يلقيه في قلوبهم على جهة الحديث، وأما قوله (أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ )فهو خطاب إلهي يلقيه على السمع لا على القلب فيدركه من أُلقي عليه فيفهم منه ما قصد به من أسمعه ذلك. وأما قوله( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) فهو ما ينزل به الملك أو ما يجيء به الرسول البشريّ الينا إذا نقلا كلام الله خاصة.[27]
3. علم الترجمة عن الله.. يكون المترجم خلاقاً لصور الحروف اللفظية أو المرقومة التي يوجدها ويكون روح تلك الصور كلام الله لا غير، فإن ترجم عن علم فما هو مترجم.[28]
4. تعيين المراتب لولاة الأمر.. وهو العلم بما تستحقه كل مرتبة من المصالح، فينظر صاحب هذا العلم في نفس الشخص الذي يريد أن يولّيه ويرفع الميزان بينه وبين المرتبة، فإذا رأى الاعتدال في الوزن من غير ترجيح لكفة المرتبة ولاّه، وإن رجح الولـي فلا يضرّه، وإن رجحت كفـة المرتبة عليه لم يولّه...[29] وهذا الميزان رمز لدور المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
5. الرحمة في الغضب... وهذا لا يكون إلا في الحدود المشروعة، لأن الإنسان إذا غضب لنفسه فلا يتضمن ذلك الغضب رحمة بوجه، أما إذا غضب لله فغضبه غضب الله سبحانه، وغضب الله لا يخلص عن رحمة إلهية تشوبه... وفي هذا السياق قال أبو يزيد البسطامي: بطشي أشدّ لما سمع القارئ يقرأ: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ).[30] والسبب: إنّ بطش الإنسان بالإنسان لا رحمة فيه، أما بطش الله سبحانه فيأتي على رحمة سبقت. والمهدي لا يغضب إلا لله، فلا يتعدّى في غضبه إقامة حدود الله التي شرعها.[31]
6. علم ما يحتاج إليه المُلْك من الأرزاق.. يعلم أصناف العالم ويوفر لهم الأرزاق الروحيّة والمحسوسة.[32]
7. علم تداخل الأمور بعضها على بعض.. وهو معنى قوله: (يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ)[33]... وهو علم التوالد في المعاني والمحسوسات.[34]
8. المبالغة والاستقصاء في قضاء حوائج الناس.. وهذا يتعيّن على الإمام خصوصاً دون جميع الناس، فإنّ الله ما قدّمه على خَلْقه ونصبه إماماً لهم إلاّ ليسعى في مصالحهم [...] فإذا رأيتم السلطان يشتغل بغير رعيّته وما يحتاجون إليه فاعلموا أنّه قد عزلته المرتبة بهذا الفعل، ولا فرق بينه وبين العامة.[35]
9. الوقوف على علم الغيب... وهذا الإمام له اطلاع من جانب الحق على ما يريد الحقّ أن يحدثه من الشؤون قبل وقوعها في الوجود، فيطّلع في اليوم الذي قبل وقوع ذلك الشأن على ذلك الشأن، فإن كان ممّا فيه منفعة لرعيته شكر الله وسكت عنه، وإن كان فيه عقوبة بنزول بلاء عام أو على أشخاص معينين سأل الله فيهم وشفع وتضرّع، فصرف الله عنهم ذلك البلاء برحمته.[36]
وفي الختام... أورد نصاً لابن عربي يظهر إيمان ابن عربي بخروج المهدي وانتظاره له، وقناعته بأنّ رجال المهدي لا يمنعهم عن نصرته السدّ المُتوهّم بين الماضي والحاضر.. يقول:[37]
... فيا منظور الناظر، ويا من بظهوره بطش الملك القادر، ويا ولي الله، ويا خليفة الملك القاهر. أما انسلختَ من الأصلاب والأرحام، أما أُمرتَ بتبديل هذه الأحكام.. السموات والأرض ومَنْ فيهن بانتظارك، والوجود متشوّق إلى إسفارِك. اللهم إنّا نؤمن بولايته، وخلافته، وإمامته، وهدايته، ولا نلحد فيه إلحاد الغافلين، ولا ننكره إنكار العالين، وننتظره مدّة حياتنا، إيماناً بك، وتصديقاً لرسولك. فلا تحرمنا إن لم تقسم لنا رؤيته أجر اتباعه. واكتبنا في عدد أنصاره وأشياعه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]. الحديث رواه أحمد في مسنده، والترمذي وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان عن سفينة مولى النبي(ص)، ورواه أبو داود في السنة والنسائي في المناقب. [أنظر فيض القدير للمناوي 3/509].
ورواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن سُفينة ورمز له السيوطي بالصحة، [انظر الجامع الصغير للسيوطي متن فيض القدير 3/509].
[2]. عنقاء مغرب، ص 62.
[3]. أنظر، صحيح ابن حبان، أبو حاتم التميمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1993، ج15، ص 236، حديث رقم 6823 و 6824. والمستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990، ج4، ص 600، حديث رقم 8669 و8670 و8671. وفي تحفة الأحوذي، يرد وخرج أحاديثه المهدي جماعة من الأئمة منهم أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة.
[4]. سورة القلم / 4.
[5]. انظر عنقاء مغرب، ص 60.
[6]. انظر المعجم الصوفي مادة "إمام" و "ختم".
[7]. عنقاء مغرب، ص 61.
[8]. الفتوحات ج3، ص 335 و 338.
[9]. همان.
[10]. م.ن، ص 327.
[11]. م.ن، ص 335.
[12]. الفتوحات، ج3، ص 337.
[13]. بلغة الغواص، ورقة 60.
[14]. الفتوحات، ج3، ص 327.
[15]. م.ن، ص 329.
[16]. بلغة الغواص، ق 132 - 133.
[17]. الفتوحات، ج3، ص 327.
[18]. همان.
[19]. وهذا الفصل يبلغ عدد صفحاته حوالي ثلاث عشرة صفحة، وهي في الجزء الثاني من صفحة 327 إلى ص 340.
[20]. الفتوحات، ج3، ص 329.
[21]. م.ن، ص.ن.
[22]. م.ن، ص 331.
[23]. الفتوحات، ج3، ص 331.
[24]. م.ن، ص 332.
[25]. م.ن، ص.ن.
[26]. سورة الشوری / 51.
[27]. م.ن، ص.ن.
[28]. همان.
[29]. الفتوحات، ج3، ص 333.
[30]. سورة البروج / 12.
[31]. م.ن، ص.ن.
[32]. م.ن، ص 334.
[33]. سورة الحج / 61.
[34]. م.ن، ص 335.
[35]. الفتوحات، ج3، ص 336.
[36]. م.ن، ص 337.
[37]. بلغة الغواص، ق 64.
[
عدد الزيارات: 346]
 |