|
أيديولوجيا النظريات الغربية السياسية والعقيدة المهدوية(دراسة مقارنة)
وبعدها ننتقل الى مرحلة أخرى وهي مناقشة النظريات الغربية الحديثة في السياسة، مقارنة بالنظرية الإسلامية استنادا الى الإيديولوجية الإسلامية بالنظر الى الإنسان، ماهية ورسالة، وهو يسعى ليكون ممهدا لدولة الإنسان الكامل المنتظر عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
تنطلق الخيارات السياسية في أي زمان ومكان من عقيدة الإنسان السائس، ولذا فهي منحرفة بانحراف العقيدة ومستقيمة باستقامتها، ولذا فقبل أن ندخل في تفاصل النظريات السياسة صوابها وخطأها، حسنها وقبحها،علينا أن نشخص الإيديولوجيات التي تنطلق منها تلك النظريات السياسية ثم الحكم عليها من خلال الآليات والمناهج التي بها تسوس الناس وتوجههم، مستندين الى النتائج التي أفرزتها تلك السياسات في الواقع.
إن تشخيص الإيديولوجيات السياسية الدافعة لواقع التعامل السياسي الدولي، سوف يبرز كثيرا من الزيف الذي ينعكس في المعايير المزدوجة التي يتعامل بها مدّعو الإنسانية والمتابكون على حقوقها.
ولذا فان رحلتنا سوف تبدأ من تاريخ النظريات السياسية الغربية، وكيف تطورت؟ وما هي إيديولوجيتها؟ وكيف كانت تلك النظريات السياسية توظف لصالح الإيديولوجيات ذاتها على مر التاريخ؟.
وبعدها ننتقل الى مرحلة أخرى وهي مناقشة النظريات الغربية الحديثة في السياسة، مقارنة بالنظرية الإسلامية استنادا الى الإيديولوجية الإسلامية بالنظر الى الإنسان، ماهية ورسالة، وهو يسعى ليكون ممهدا لدولة الإنسان الكامل المنتظر عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.
الله تعالى ولي التوفيق فمنه السداد وهو تعالى الغاية.
تاريخ النظريات السياسة الغربية وتطورها
طرح أفلاطون (374 ق.م) نظريته في المدينة الفاضلة؛
«حيث كان يرى(لابدية) هذه الفكرة، ولكي تقوم الدولة المثلى، ستبدأ الدولة باستلام كل طفل ذكر، لتضعه في ملاجئ لتربية الأطفال، فالذين يصلحون للجيش يخضعون لتربية عسكرية والذين يصلحون لإدارة الدولة والسياسة يتلقون تربية فلسفية.. أما الموسيقى، فيجب أن تكون إيقاعا يفيض بالقوة، وان تخلو من الميوعة التي نشهدها عند بعض أهل الألحان في بقية الفنون، حيث يجب أن تطهر نهائيا من كل فكرة أو نزعة مخالفة للفضيلة،ويحمل أفلاطون على كثير من الشعراء ويطردهم من مدينته الفاضلة وعلى رأسهم هوميروس»[2].
وكما نلاحظ فإنها نظرية مشدودة إلى الفكر الاسبرطي؛ تماما كما عند لوكوجوس؛ فهو يقول: كما يقول الاسبرطيون في تشريعاتهم؛ (الفرد للدولة)..ويقول بتربية الأفراد تربية عسكرية، ويطالب بالقضاء على الملكية، وبرفع عقود الزواج... بالضبط كما هي الحال عند الاسبرطيين، لكن أفلاطون يهدف إلى تحقيق الفضيلة!! وسيادة العلم[3].
وبعد النهضة العلمية في الغرب(القرن الخامس عشر فما فوق)، طرأت على الفكر الغربي تغيرات جوهرية، رسمت مسارا جديدا لذلك الفكر، كما نجد مثلا عند أوغسطين؛ (مدينة الله)، وألف كمبانيلا؛ (مدينة الشمس)، وألف توماس مور؛(يوتوبيا الرجل المتفوق)[4] ...
وهذا بحد ذاته لا يعد بدعا من الفكر يحتسب حسنة للغربيين، إذ سبقهم فيه كثير من الأقوام الأخرى من أبناء الجنس البشري إلا انه يعتبر تطورا في الفكر الغربي الذي يعاني من الشد للفوقية التي تلازمه ولا زالت إلى الآن، ولا يستطيع أن يتحرر منها لأنها جزء من اللاوعي الذي يصعب على الإنسان معرفة تأثيره القوي في السلوك وفي خيارات الفعل العقلي.
وهذا أيضا واضح في مرحلة الحداثة؛ اقصد؛ مرحلة الانتقال من التفكير في فترة التنوير إلى عقلانية الحداثة، عندما كان عقل الفردي هو الحاكم، وهو المرجع الوحيد لتمييز الخطأ من الصواب والحسن من القبح، فقد جاءت مرحل الحداثة لتتحرر أوربا من فكر الفرد إلى فكر الجماعة .
فالحداثة عند الأوربيين؛ هي أعلى غاية وصل إليها العقل البشري وبناءا على هذا سمي هذا العصر بعصر التقدم، وقد أدى هذا إلى: الاعتقاد بسيادة أوربا ومركزيتها في العالم، باعتبارها الحقل الذي تتكرس فيه حركة التاريخ، وأنها المساحة المنتجة لتطور العالم ونموه.
3. الجذور الأيديولوجية للنظريات السياسية الغربية:
وكان خلف هذا الاعتقاد؛ واقع ايدويولوجي يدفع الغربيين منذ القدم إلى نظرة تجعلهم يشعرون بالتفوق، والتجاهر به على سائر بني البشر، فهناك (حتميات)! تاريخية هي محل الله ـ كما عندهم ـ كي تصبح أوربا وشعبها شعب الله المختار.
تلك الايديولوجيا؛ هي تيار فكري ضارب في التاريخ الأوربي؛ منذ ابيقور، مرورا بنتشة، ثم توكدت في هيجل، إلى ما نظّر له فوكوياما، إلى ما تنبأ به هنتغتون في صدام حضاراته... وهي أيديولوجيا تشير إلى أن الإنسان (النوردي) أي الرجل الأشهب أو الأصهب أو الأشقر(NORDYMAN)، هو الإنسان الفاضل، لأنه الارقى والأنقى.
لقد سعت المركزية الغربية، إلى محاولة تصدير نموذجها الحضاري القاصر والذي يشهد الآن تدنيا لم يشهد له التاريخ مثيلا، تمثل في نهضة الفقراء الذي ابتدأ في فرنسا، من الأعراق المهاجرة حيث سياسة النبذ والإقصاء والإهمال، التي أشرنا إليها، فكيف يمكن لها أن تصدره بعد اليوم إلي مختلف بقاع العالم؟!
وقد يكون من المفيد أن اذكر لكم مرة؛ انه لفت انتباهي وآنا أشاهد التلفزة؛ تعليقا من مذيع المحطة التلفزيونية العربية الفضائية على صور لباريس وهي تحترق ـ ليلة الأول من نوفمبر 2005م ـ بقوله:
أنها ليست بغداد، بل هي باريس التي تشاهدونها تحترق بفعل أعمال الإرهاب التي يقوم بها شبان مسلمون ومسيحيون يشعرون بالاضطهاد والنبذ في دولة عظمى مثل فرنسا، فقد تفشت في أحيائهم البطالة وسوء الأحوال المعيشية في الأحياء الفقيرة المهملة في ضواحي باريس، والتي تسكنها غالبية مسلمة وهي مدن الصفيح و أحزمة البؤس التي تضرب طوقا رمزيا وماديا على كبرى المدن الأوربية.
إن سياسة النبذ والإهمال المتعمد والإقصاء والمعاملة القاسية المتميزة بالاستعلاء، وبالنظرة الدونية لمواطنين فرنسيين، تمثل لطخة عار في جبين الحضارة الغربية التي تمثل فرنسا مثلا رائدا لها.
ورب قائل: إن هذا اللون من النظر إلى الموضوع: موضوع التنظير السياسي؛ يجنح نحو الأخذ بقراءة اقتصادية، بدليل أن التظاهرات الغاضبة ليست عامة في مجموع بلدان العالم، على الرغم من أنها تعيش جميعها ـ ومن دون استثناء ـ الوضع ذاته: حيث عم الخراب عمرانها الاقتصادي، و أودى بتوازنها المالي.
وعلى هذا الاعتراض نكتفي بالرد التالي:
إن هذه الأسباب المنظورة للوضع السياسي قائمة في معظم البلدان: الغضب من السياسات، موجود في معظم بلدان العالم، وان كانت درجاته متفاوته، ولكن هذا التفاوت يخضع لمقدار تجسيد السياسي لبلد ما لشعار:(أنا خير منه)، في الواقع الاجتماعي هناك، والذي به تبرز أيدلوجيا التفوق الذي لا نشهده إلا في أوربا ضد باقي الأعراق، خصوصا في فرنسا، وسنوضح ذلك في لاحق البحث إنشاء الله تعالى.
ونعني بهذا ـ على وجه التحديد ـ الأيدولوجيا السياسية التي تسوّغ لجماعة من الناس أهدافا لحراكهم الاجتماعي ـ دون الأخذ بنظر الاعتبار إلى أنهم يعاكسون النسق الكوني ـ وتنتج لهم أطرا لتعبئة الطاقة الاجتماعية، والتعبير عنها، وهو ما ينطبق أمره على أي مشروع سياسي آخر يحتاج كي ينتقل من القوة إلى الفعل بلغة أرسطو.. أو من الفكرة إلى الواقع، بلغة ماركس[5].
التوظيف اللأستغلالي للنظريات السياسية الغربية:
إن في جوف كل مجتمع قد تكمن فوقية أو شكل منها، يتناسب طردا في مقداره وحجمه مع انحراف أفراده عن الفطرة وفقدانهم للحرية والسيادة.. وهناك من الواقع الاجتماعي والفعلي ما يهيئ لظهوره. فلكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه.. وما الحركات التكفيرية عندنا إلا رد فعل لايدولوجية (أنا خير منه)؛ التي تعامل بها الغربيون والاستعماريون مع الشعوب؛ فالتكفيريون يرون أنهم خير من الناس وان كل الناس كفار وهم وحدهم أصحاب الجنة والرضا.
فالتفوق الاقتصادي المبني على العرقية يقود إلى تصدعات اجتماعية خطيرة، تعتمد أساسا في اتخاذ الإنسان مستغَلا أو مستغِلا: مما يوفر مستلزمات بروز ظاهرة العنف والعنف المضاد في المجتمع، فليس مستغربا أن تتحول حالات الاستغلال أو التهميش الاقتصادي إلى قنبلة قابلة للانفجار، فماذا تنتظر من ذلك الإنسان الذي يهمش إلى ما دون الحد الأدنى لمقومات الحياة،في وسط مرفه، بالإضافة لافتقاده إلى نظام الرعاية والحماية الاجتماعية، ومتطلبات الحياة المتزايدة تزيد من ضنكه وحرمانه.
فالفئات المهمشة سياسيا، والتي تعيش الضنك على كل أصعدة الحياة، وعلى جميع مراحل الحياة: هي فئات قابلة للانفجار،فهي بؤر يحتمل أن تنطلق منها الفوضى والاضطراب في أي وقت لأنها ببساطة لا تحيى حياة طبيعية, والمجتمع الذي تعيش فيه، سلوكه مضطرب، لأنها تفقد الحرية، ولا خيار لها في هذا الوضع، أو في الخروج منه، فتغشاها الأزمات الفجائية في كل مجال، فتتفجر أحداثها العامة بشكل هبّات وانحرافات جماعية، لأنها في الغالب ردات فعل انفعالية فالواقع السياسي الأوربي خصوصا والغرب عموما لا يتيح لها وسيلة للتعبير عن معاناتها إلا باستعارة أساليب القمع والإرهاب الممارسة ضدها، لذا فهي فئات مرشحة دوما للعنف بكافة أشكاله وأدواته.
والفرد فيها يتقبل كل الأفكار والأيدلوجيات التي تخاطب جمهور المحرومين والمقموعين.
فالإفقار المتعمد لا يقود إلى الاستقرار.. والبطالة أوالعطالة، بسبب التمييز العرقي، لا تؤدي إلى الأمن، بل أنهما الأرضية الاقتصادية – الاجتماعية لبروز حالات التمرد والعنف.
أما عدم الاستقرار في المجتمعات الإسلامية؛ التي تستعير دولها نظريات سياسية غربية في الحكم، فهي ظاهرة مركبة، نشأت عن اجتماع جملة من العناصر والأسباب وتضافرها على النحو الذي لا يمكن معها إرجاع هذه الظاهرة إلى سبب أو عنصر واحد دون سواه.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة إلا ضمن شبكة العوامل والأسباب التي أفضت إلى بروزها وأدت إلى ظهورها.. وكلها تقوم على افتقاد الإنسان لحريته ومقومات سيادته من قبل أخيه الإنسان، بالاعتقاد الخاطئ؛ سواء بعامل الدين وقراءته الخاطئة، أو بالعمل السياسي المستعار غير المستند إلى العقيدة الصحيحة، وفقدان السيادة بالقمع والإقصاء، أو بالعامل الاجتماعي ـ الاقتصادي، الذي نعني به فقدان الإنسان مقومات عيشه وكرامته.
وقد تجسد أسلوب الأوربي لتصدير فوقيتهم المؤدلجة تاريخيا، بشكل واضح لا لبس فيه: فيما عرف بغزو أمريكا، عندما أسس المهاجرون الهاربون من نير الكنيسة البروتستانتية مدينتهم الفاضلة على جثث الهنود الحمر والازتيك، وبسواعد المستعبدين من الأفارقة السود..
إن ممارسات السيد الأبيض في الإبادة الجماعية للهنود الحمر والازاتيك، والاستغلال البشع للأفارقة السود في مناجم الفحم والذهب، والنظر إلى الإسلام كعقيدة دموية وللمسلمين كبدو متوحشين … والمعاملة المباشرة التي تجسد تلك النظرة: ولد حقدا دفينا تغلغل في نفوس هذه الشعوب.
وبهذا الصدد يقول الغذامي في كتابه(رحلة إلى جمهورية النظرية: مقاربات لقراءة وجه أمريكا)؛ عن حال السيد الأبيض مع الأرقاء السود هناك:
إن كل مواطن حرٌّّّ كان يستمتع بعمل أربعة أرقاء في المتوسط، ولم يكن هؤلاء الأرقاء يستخدمون في الخدمة المنزلية وحدها، بل كان منهم الزراع والرعاة، ولكن استخدامهم الأكثر شيوعا، كان في مجال الحرف والصناعات اليدوية واستخراج المعادن.[6]
أما (فرنسيس فوكوياما) – الأمريكي من أصل ياباني لذي ينظّر ويمهد لسيادة الرجل الأبيض ـ فقد جعل من إبادة الهنود الحمر والازاتيك الجماعية واستغلالهم، هدية كبرى قدمها السيد الأبيض لهم، فنراه يقول:
(إن أمريكا هي آخر بلد يمكن إن يكون فيه للاعتبارات العائلية والعرفية أية أهمية، وهي لم تقم ـ كما يدعي البعض ـ على أشلاء أهلها الأصليين من الهنود الحمر والازاتيك الذين كانوا يذبحون أطفالهم قرابين للآلهة).[7]
(الإنسان الأبيض الذي فضلته الطبيعة واختارته ليكون حامل مشعل الحضارة والتقدم: هو المنطق الذي يبرئ الغربيين والمستغلين الاستعماريين من تهمة الإرهاب ولو أبادوا البشرية كلها).[8]
ويقول المستشرق (كارا دو فو) ـ الذي يبرر للفرنسيين قتل الجزائريين أبان الثورة الجزائرية:
(إن البدوي في أفريقيا هو الهندي الأحمر، و يجب تهيئة المصير نفسه الذي آل إليه الهندي الأحمر على أيد الرواد البيض لأمريكا، ويجب إن يختفي البدوي من على وجه الأرض).[9]
وعن (برنا رد لويس)، (ودانيال بايبس)، ينقل، حسن الأمراني أيضا قولهم:
(إن الشعب العربي لا يبدو إن يكون إذن كالهنود الحمر، وان حضارة الغرب وحدها جديرة بان تسود).[10]
هذه النصوص تؤكد ما ذهبنا إليه من إن هناك تيارا قويا في السياسات الغربية، هو الأصل الباطن لما نرى من معايير مزدوجة وسلوك عدواني من قبل الرجل الأبيض، هو الذي أسهم إن لم يكن هو الذي هيأ الأرضية لردود الفعل القوية الانفعالية التي يشهدها العالم اليوم، والذي يميزها إرهاب دموي فظيع.
منذ مائتي سنة تقريبا والأمريكان يبيدون الشعوب الأصلية (حوالي الملايين من الأشخاص)، ويحتلون نصف المكسيك ـ منطقة جزر الكاريبي ومنطقة أمريكا الوسطى ـ ويحتلون هاييتي والفلبين مسببين مقتل مائة آلف فلبيني![11]
وتحاول أن تهيمن على العلاقات الدولية من خلال التهويل بوجود عدو شرير يهدد الأمن ولاستقرار الدولي.
(استراتجيا: تتغير هوية هذا العدو حسب المصالح الأمريكية، كما هي الحال مع صدام حسين، حيث انقلب بين عشية وضحاها من صديق يحارب نيابة عنها، إلى عدو خطير، سرعان ما تخلصت منه).
فتلوح على الرأي العام العالمي بشبح الإرهاب لتنفيذ مخططاتها. علما إنها تدعم علنا دول دكتاتورية أو حتى أنظمة إرهابية فتقدم لها الأسلحة لقمع شعوبهم.[12]
وعندما أعلنت الأوساط الغربية الحكومية عن حربها ضد الإرهاب على أساس انه غدة سرطانية يجب استئصالها من جذورها، كانت الحكومة الأمريكية بإدارة الرئيس الأمريكي آنذاك ومستشاره (الاكسندر هيغ): قد أنشأت منذ عشرين سنة شبكة إرهابية دولية ذات نطاق واسع، لا مثيل له يهدف لمحاربة أعداء الولايات المتحدة المتخلفين حضاريا![13]
وقد نفذت هذه الشبكة عددا لا يحصى من الجرائم في مختلف أنحاء العالم منها ما جرى في أمريكا الوسطى وبالخصوص ما جرى في نيكاراغوا.
وقضية نيكاراغوا سابقة دولية في إرهاب الدولة لا جدال فيها في القانون الدولي: لأنه لأول مرة يصدر عن المحكمة الدولية حكما لا رجوع عنه تدان فيه دولة بعملية إرهابية والقضية أفضع بكثير من اعتداءات 11 أيلول: ذلك إن الحرب التي خاضها الرئيس (رونالد ريغان) ضد نيكاراغوا أسفرت عن وقوع عما يقل عن (57000) ضحية منهم (21000) قتيلا وسببت دمارا وخرابا يعادل قنبلة هيروشيما.[14]
فالأوربيون: نسبوا أنفسهم إلى السيادة، لأنهم بيض البشرة، أو لأنهم ولدوا في أوربا! .. وهذا الخط ـ خصوصا ـ له أصوله الأيدلوجية الضاربة في التاريخ،[15] ابتدأ من (ابيقور) مرورا بـ (نيتشة) والى (هيجل) الذي ادعى إن صيرورة الفلسفة: غربية، هو ذاته غايتها، وصيرورة الدين في المسيحية، حيث الأوربيين يمثلوه.
وصار لهذا الخط اليوم مدرسة، وقادة، وثقافة انتروبولوجية، تكتسح العالم بما أوتيت من إمكانيات إعلامية هائلة.
وحين نقول ذلك لا نتجنى على الغربيين فها هم اليوم قد وظفوا نظرياتهم في السياسة والاقتصاد بل وفي العلوم الحديثة لخدمة أغراضهم الاستعمارية .
ففي عام 1970م بلغ عدد الهيئات المتخصصة الأساسية بالدراسات السياسية او التي هي في خدمة السياسة الغربية ما يقارب ال(386) هيئة متخصصة في التنظير السياسي بما يوافق لاسترتجية المستقبلية الأمريكية خصوصا وبما يخدم الإيديولوجية الغربية عموما.[16]
فتحت عنوان (فوكوياما، هنتنغتون؛ والإسلام)، كتب وجيه كوثراني مقالة متميزة في مجلة الاجتهاد في عددها (495)، لشتاء عام ـ 2001م؛ بيّن أن هناك تيار فلسفي ضارب في التاريخ بدأه ابيقور ثم فصله هيجل، وعززه نيتشة وحاول أن يكتب نهايته فكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) بتفوق العقلية الغربية، متخذا من انهيار الاتحاد السوفيتي دليلا لثبات الدولة الليبرالية الديمقراطية، ومجتمعها المدني، أما هنتنغتون فيعتبر في كتابه (صدام الحضارات)، إن الصراع اليوم ليس صراعا أيديولوجيا، بل صراع حضارات.
هذان النموذجان من الخطاب الأمريكي؛ هما في الواقع تحقيق لما تطالب به الإستراتيجية الأمريكية ولكي يتحقق لنا؛ أننا لا نتجنى على الأمريكان والغربيين؛ ((انظر مقالة جري جوري فوستر في عام (1990م) في مجلة "WashingtonQuarterly.vol.13" والتي كتبها تحت عنوان:
"A Conceptual Foundation For A theory of Strategy"، في ثوابت الأسس المتصورة للإستراتجية الأمريكية في التنظير السياسي.
إن الثقل الفلسفي المدعم لنظرية فوكوياما، والبعد الابسمولوجي البنيوي في اعتبار (هنتنغتون)؛ إن للإسلام حدودا دموية؛ يشكلان فرضية؛ تعبّر عن أمور هي:
1. توكيد الأيديولوجية الغربية التي تعتمد شعار (أنا خير منه) والتي هي في الواقع عقيدة إبليس من قبل أورثها أولياءه في النظريات السياسية الغربية.
2. او هي سوء استخدام المفاهيم الفلسفية وتوظيفها في عالم السياسة.
3. وهي في ذات الوقت تهدف إلى تشويه الإسلام والحضارة الإسلامية، وتحميل المسلمين، نتائج صراعات هم يصنعونها نصوصا وسيناريوهات، بالإضافة إلى مكر السيئ.
4. وتفيدنا هذه التوظيفات بان الضجة الإعلامية حول سياسة توظيف الإرهاب خصوصا في الشرق الأوسط غير صادقة لان وراءها أهداف أخرى.
5. أثبتت الدراسات العلمية الحديثة في الهندسة الوراثية للحامض النووي الريبوزي أل(DNA) للإنسان(الجينوم) أن البشر جنس واحد، وتكوين واحد لا يتمايزون بقدراتهم في خيار الفعل الأفضل، بسبب بشرتهم أو انتمائهم القومي، أو بسبب مكونات دمهم فهو واحد بعناصره المتمايزة توجد بذاتها في جميع الأعراق.
6. النظرية العلمية؛ التي يتحقق بها الواقع البشري وجودا وحياة وعقلا هي قوله تعالى:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
فالناس كلهم سواسية كأسنان المشط، لا يتمايزون باللون أو العرق و النسب، أو أي شيء سوى التقوى؛ والتي هي ميزة باطنة يرقى صاحبها من أن يعلن تمايزه بها على غيره، وبذلك تحقق تمام مفهوم الإنسان السيد المتمايز على بقية المخلوقات بكماله وحسنه الجذاب المسر.
7. يتفق الناس في كل عقائدهم تقريبا وفي كل أزمانهم وأماكنهم؛ على الإنسان الكامل المنتظر هو الذي يخلص البشرية من نتائج انحرافها عن رسالتها في الوجود، وان على الناس ان يتبنوا سياسة في زمان انتظاره وهي التيهؤ له بالتمهيد لدولته بالتزام العدل والعلم.. وهذا مما لا يفهمه منظّروا السياسات الغربية، بل لا يريدون أن يفهموه، وربما يريدون طمسه؛ لان معظم الغربيين هم نصارى، ممن يعتقدون بالمخلص القادم لا محالة.
8. إن قسم من المفكرين؛ من المنصفين الغربيين لا يرون ما ينظر له ماجوروا ومخططو السياسة الغربية، فمثلا جاء في نظرية المؤرخ البريطاني توينبي):التحدي والاستجابة)قوله ما يلي:
(إن العامل الديني هو السبب في نشوء الحضارات، حيث قسمها تقسيما دينيا).[17]
النظريات السياسية الغربية الحديثة:
لن نذهب بعيدا في تجميع المذاهب السياسية الغربية، التي تنطلق من الإيديولوجية الغربية؛ فهي منحصرة اليوم فيما تدعوا إليه دوائر رسم السياسات المستقبلية للعالم الغربي المتفوق والتي اشرنا إليها تحديدا في مقدمة البحث، ولنأخذ على سبيل المثال ما قدمه فرنسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وكذا ما قدمه صومؤيل هنتنغتون في كتابه صدام الحضارات.
و اليوم وانسجاما مع الخط (الابيقوري النيتشوي الهيجلي) في تفضيل الإنسان الأوربي الغربي الأبيض: استخدم فوكوياما ما قدمه أفلاطون لتصوير صراع الميول والقيم في ذات الفرد الإنساني، وكان يسميه (التيموس): أي الجزء الراغب في النفس والطامح إلى تأكيد ألذات وانتزاع اعتراف الآخرين بها. ثم دمج بين هذه النتائج وبين محصلات الفكر الأوربي عند (نيتشه)، (وروسو)، وبين فهم (كوجيف) لـ (هيجل): فخرج بالنتيجة التالية:
«الرأسمالية الراهنة بما هي نهاية مسار الكينونة الفردية والاجتماعية، هي نظام سياسي، اقتصادي يمثل التجسيد الأعلى للرغبة التيموسية، لذلك سينتهي التاريخ معها وسينقسم العالم إلى عالمين احدهما سيظل أسيرا للتاريخ، ويصعب تحرره منه، والآخر سينجز رحلة التاريخ كلها ويفك أسره من حتميته الصارمة، فينعم بطبيعة هادئة لأنه يكاد يحقق جوهر الاكتفاء الذاتي ويروي أساس الرغبات وعلى الجميع الاعتراف به وبتفوقه وكماله».[18]
إذن بعد أن أقامت نهاية التاريخ الأساس الفلسفي لصدام الحضارات، وبعد أن بينت جذوره في عمق الوعي الفلسفي الغربي أعطتنا النتيجة الحتمية له: وهي فوز الإنسان الأخير الذي لا يلبث أن يرقى قمة الكون ويعتلي سنام التاريخ إلى نهايته!.
اكتسبت هذه الرؤية أهميتها الفائقة عند الغربيين، من منطلق كونها الفلسفة الفكرية التي أعقبت الصراع الأيدلوجي بين الليبرالية والماركسية.
ومن هذا يبدو للمتتبع الوظيفة السياسية لهذه النظرية، وأهميتها لأساتذة الانتروبولوجية الثقافية التي وظفت هي الأخرى للترويج لتفوق الرس الأبيض في خدمة الليبرالية.
واليوم من منطلق كون القطب الواحد هو الذي يحكم العالم، فقد تبناها بشكل رسمي.
فما شهده العالم في العقد الأخير من القرن العشرين شاهد على أن: نظريتي نهاية التاريخ، وصدام الحضارات هما البيان الأخير الذي أصدرته الليبرالية في ثورتها الجديدة وهي تزمع استئناف مشروعها وحيدة هذه المرة: المشروع الذي عاد فانبثق من الفكر النفعي الأمريكي والذي سوف يؤدي إلى استمرار زعامة الليبرالية المطلقة على العالم.
ان تأكيد ألذات هذا، والسيطرة الاجتماعية، تتأكد تماما في أيدلوجية واحدة لسياسة الخبث في العالم هي؛ التي ينسلخ فيها الإنسان من فطرته، ليكون سيدا باحتكار السيادة له بحجة اللون الأبيض! أو الاختيار الرباني! أو إمارة المؤمنين غصبا عنهم!
6. حقيقة السياسة الغربية الحديثة:
فالمتتبع يجد أن هناك تناغماً، بين طروحات (صموئيل هنتنغتون) في صدام الحضارات، وطروحات (فرنسيس فوكوياما)، في نهاية التاريخ، وبين الفكر الاستعلائي الابيقوري الافلاطوني النيتشوي الهيغلي؛ بتفوق العرق الأبيض، طبقا لشعار (أنا خير منه)، من جهة وبين تطلعات النخبة من أسياد المال في العالم والذي يتبنون الليبرالية كأيدلوجية (دعه يمر، دعه ينهب، دعه يستغل)، من جهة أخرى.. تواصيا على دمج الشعارين: شعار انا خير منه، وشعار: دعه يمر.
وقد وضفوا تيموس أفلاطون، وتحلل ميكافيلي، وغرور هيغل… كي ينتهي التاريخ لصالح الرجل الأبيض لينطلق متحللا من كل التزام، وليبقى الآخر حبيس قيم تلزمه الصراع!!!!!.
إنها رومانسية سياسية، لا علاقة لها بواقع الحال وطبيعة التكوين الإنساني، لان فكرتهم هذه بحد ذاتها هي؛ قيد للذات وعبودية للهوى، فهم سجناء الغرور الابليسي (انا خير منه) التي تكرسها نظرية نهاية التاريخ، وتؤكدها طروحات صدام الحضارات، فلينتظر العالم حجم وعتو الرعب في غايته من عالم يقوده وكلاء إبليس.
ولذا فان عمل التكفيريين في تقطيع الرؤوس وسمل الأعين ونشر أشلاء الناس أطفالا وكبارا ونساءً مسئولين وغيرهم، في الجزائر أولا، ثم في العراق وأفغانستان… صار مادة دسمة لوسائل الإعلام الغربية العملاقة والمسيطرة، لتؤكد الثوابت الفوكويامية: طعنا بالدين وتمهيدا لإبراز التفوق للفكر اللبرالي الغربي، بداية لسيطرة أسياد المال بلا منازع على ثروات العالم عموما والعالم الإسلامي خصوصا.
إن مما يبثه، ويثبته هؤلاء المنظرون للسياسة الغربية الماكرون هو: إن الإرهاب لفظ قديم اتخذه المسلمون من قرآنهم وسيلة لقهر الشعوب، وهو: قوله تعالى:
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)؛[19]
ولابد من الحديث فيما تعنيه الآية على ضوء ما يراه صموئيل هنتنغتون وفوكوياما، وعلى هذا فنؤكد ما يلي:
1. لا يوجد على وجه الأرض إنسان، له لب ـ غير التكفيريين أو من هم من صنائع المخابرات العالمية – يؤمن بقبح هذا المعنى السائد للإرهاب أو يروج له: بما يفعلون بقتل الأبرياء والتمثيل بجثث الموتى،و وما يأتونه من منكرات ما انزل بها من سلطان، ولا تنسجم مع روح القرآن في الدعوة للإحسان، ذات الأسلوب الذي يجعل حتى الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.
قال الله تعالى:
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)؛[20]
2. كثير من عباقرة و مفكري الغرب المنصفين: يعتبرون الإسلام أفضل دين سماوي يقدس الإنسان ويحترم البشرية: من أمثال (برناردشو)، و(روجيه غار ودي) الذي اعتنق الإسلام، ومثلهم (روبرت كوين): مستشار الأمن القومي الأمريكي زمن الرئيس الأمريكي (نيكسون)، الذي اعتنق الإسلام… وكثير جدا ممن أشاروا إشارات رائعة لأهمية الإسلام والمسلمين في نهضة الغرب الحديثة.
3. إن لفظ ترهبون به عدو الله وعدوكم: إنما هو من باب الأخذ بالرادع – كما قلنا ـ الذي يحفظ السلام. فعدو الله هو عدو السلام، والله هو السلام، ومنه السلام، واليه يعود السلام: وهذا مما لا يختلف عليه الناس شعوبأ ودولا، فلا توجد دولة في العالم لا تأخذ بأسباب الردع اللازم لحفظ سيادتها.. ولذا فلا يحق لأحد أن يؤاخذ المسلمين والدولة الإسلامية إن أخذت بأسباب الردع لأعدائها الذين هم أعداء الله جل وعلا.
4. بالنظر الى الواقع: إن الذين يرهبون عباد الله هم صنّاع أسلحة الدمار الشامل، وهم رعاة العملاء من حكام الشعوب المستعمرة من دول العالم الثالث.
والإرهابيون: هم صنّاع الأسلحة المرهبة، وصناع وسائل التعذيب التي يمنحونها للحكام الذين سلطوهم على الشعوب، وهم الذين يمكرون بالناس ويتآمرون لتزييف الحقائق..
والإرهابيون: هم الذين يكيلون بمكيالين بين الناس فيزرعون الأحقاد ليحصدوا الإرهاب ممن يئنون تحت وطأة هذا الغبن الذي يمارس بإمعان وسبق إصرار من قبل رعاة الإنسانية التي يعذبها العنف!
وعلى هذا الديدن تستمر عجلة الشيطان بالدوران، و أبناء البشرية دوما هم الضحية.
7. تناقضات السياسة الغربية
يتصاعد السجال صخبا من خلال الجدل الدائر اليوم في الدوائر السياسية الغربية عن موضوع العنف، ومعاني اللاعنف، ويأخذ سادة المال، و صنّاع الرأي العام، بنواصي كل المحركات التي توجه المقود في عجل الإعلام الضخم والسريع، من اجل إن يلبسوا المصطلحات الإعلامية المعاني التي تخدم مصالحهم وتديم سيادتهم واستحكام سيطرتهم على العالم، فان من وراء ذلك العجل الذي يدور دوماً ولا يتوقف، أيد صنّاع السياسة الغربية المسيطرة على الارض، بخطوطها الحمراء والخضراء، والذين هم بدورهم موظفين لأسياد المال، والذين هم بدورهم عبيد للشيطان..حيث لا رحمة لهم ولا عدل أو ضمير يردعهم. وليكون بعدها الرأي العام (المفبرك)، هو الذي يشكل الضغط الذي تتوجه به الأمور كلها لضمان مصالح ذلك الشيطان.
وخير مثال لنا اليوم في هذا؛ هو ما يسمونه الملف الأمني الايراني، كمثال لقبح السياسة الغربية، والكيل بمكايل متعددة؛ فإسرائيل التي تملك السلاح النووي فعلا هي بمنأى من أي رقابة او مجرد تلميح، والذي يسعى سلميا من الدول الإسلامية لامتلاك تقنية نووية يجب ان تفرض عليه العقوبات، ويجب أن يعزل عن العالم، وربما تتعرض لضربة عسكرية ماحقة!!!!!!!!
هذا ما يجري في واقعنا اليوم، واقع السيطرة للسياسة الغربية على العالم اليوم، بإيديولوجيتها الشيطانية (أنا خير منه). فلا معنى لما يفترض إن يتضمنه هذا الواقع من مطابقة مع الحق، والعدل ومعاني الرحمة، مما دفع كثير ممن تصدوا لمواقع القيادة الدينية، وآخرين ممن يقودون تيارات قومية ووطنية من المنصفين في العالم للتصدي لهذا الواقع الدولي غير المنصف، ولو بإمكانيات أقل بكثير من إمكانيات صنّاع الرأي العام، ولكن أنى لأحد مهما كان منصفاً أن يجدي في جهد مفرد، إزاء الإعلام الكبير الذي يقتحم عليه حتى بيته، وقد ينتزع منا أولادنا، وربما يتعدى تأثيره لأكثر من هذا، قبل أن تنتفض الفطرة البشرية، كما يتوقع ذلك دهاقنة الزيف الإعلامي أنفسهم.[21]
الإعلام الإسلامي يوظف لخدمة برامج السياسة الغربية
إن الاهتمام ينصب اليوم على ترويج كذبة تقول: إن الإسلام: فكر يغذي الصراع سيكولوجيا في نفوس معتقديه، وفكرة الإسلام أصلا تقوم على الصراع.. وقد تزّعم هذه الأطروحة الكذبة ـ كما مر معنا ـ (فوكوياما) الأمريكي من اصل ياباني.
ولهذه الفكرة إمدادات في نفس البنية الاجتماعية الإسلامية تعضد فوكوياما من خلال؛ الدعوة إلى الليبرالية التي هي أساس وبديل فوكوياما الذي لا أفضل منه لحكم العالم: فاليوم هناك تيار من المثقفين المسلمين يدعون إلى الليبرالية الإسلامية، من أمثال عبد الكريم سيروش الإيراني و حسن حنفي وغيرهم.
ولكي لا تبقى هذه الفرية على الإسلام مجرد زعم، أوجدوا حركات إسلامية تخدم ادعاءاتهم: فجندوا الجهّال والمتطرفين, ودعموهما على كل الأصعدة وأخرجوهما إلى الواقع بأبشع الصور، وروجوا للسلفية الوهابية المتطرفة، بأنها تمثل الإسلام: وان قادتها هم من يمثل الإسلام وإنهم وريثي الخلافة الإسلامية. وصدّق بهذا الحث، أولئك القادة المزعومون للإسلام: وأفتوا مباشرة بتكفير المسلمين.. في حين إتخذ الافاكون الأسياد البيض والصهاينة، مما يقوم به أولئك التكفيريون الأدعياء من قطع الرؤوس وقتل الأبرياء والقصف والعصف والتفجير، والأفعال القاسية المنفرة..اتخذوا من هذه الأفعال أمثلة لإثبات دعاوى فوكوياما وأمثاله.
ويظنون أن تبديل الأسماء، ومرور الوقت، كفيل بنسيان حقيقتهم وإظهارهم بمظهر أجمل وأحسن. فعلى الجانب الاخر من ايديولوجيا الشيطان؛ (انا خير منه)؛ يقف شعب الله المختار من الصهاينه، الذي غزوا فلسطين واحتلوا أرضها بعصابات زرعت الموت وأفشت الرعب في فلسطين فاحرقوا وقتلوا ودمروا، ثم على الأشلاء والإطلال بنوا كيانهم الغاصب، وهم يطالبون اليوم بالتطبيع مع الدول العربية وينتزعون الاعتراف بكيانهم حتى من الفلسطينيين انفسهم بفضل دعم السياسة الغربية لهم.
فمن عصابة الارغون ولد حزب الحرية (حيروت).
ومن عصابة البالماخ ولد حزب الماابام
ومن عصابة الهاغانا ولد حزب الماباي.
ومن عصابة اشتيرن ولدت حركة البحي.
لكن هذا لا يمنع الصهاينة من إنشاء عصابات إرهابية جديدة فلا أحد يجرؤ أن يقول للشيطان أنت شيطان لان الكبار، هم وكلاؤه على الناس.
(ففي شهر تموز عام 1976 أعلن الحاخام الصهيوني مائير كاهانا):[22]عن تأسيس المنظمة الإرهابية المعروفة باسم (كاخ)، والتي تعمل بحرية في فلسطين وخارجها..
والذي يدعو للاستغراب أكثر: هو إن كل كبرياء السيد الأبيض يتلاشى إزاء العم سام: فيسكت حتى عندما يذله أبناء العم سام (الصهاينة خصوصا) بشكل مباشر وعلنا، فيما نرى منه من كبر وتكبر وكبرياء إزاء الآخرين.. فالمتتبع لا يرى له مثلا: أدنى شرف إزاء إذلال الصهاينة لسيادته.
فإسرائيل تتدخل في شؤون الدول الغربية كلها، وتجسس عليهم، وتهين رؤسائهم، وتحتقر ما يصدر (مصادفة) من إشارات منصفة للحق الفلسطيني..ولحسن الحظ فان الزائد من تكبر البيض، يستهلكه ازدراء الصهاينة لهم، فيما يكون باعثاً للمظلومين لاحتقار الجميع وهو سبب لبروز الإرهاب في الجانب الأخر من الأرض.
فمثلا: عملية (فندق الملك داود) ضد البريطانيين، واغتيال اللوردموين وزير الدولة البريطاني المقيم في الشرق الأدنى، عندما أرسلت عصابة اشتيرن اثنين من أعضائها إلى القاهرة، لينفذا عملية الاغتيال في 6 تشرين الثاني 1945م.
وهكذا كان حال الكونت (فولك برنادوت) الوسيط الدولي للأمم المتحدة في فلسطين.
ثم إن كل الزعماء الإسرائيليين ينتهكون ثوابت السياسة الغربية ويحثون على انتهاكها، بل ويفعلونه وبدون آدني حرج.[23]
وقد احتقر الإسرائيليون عشرات القرارات الدولية ولا يجرؤ أحد حتى إن يشير إلى ذلك!!
9. عدم وجود معيار دولي في السياسة الغربية للحق والعدل!!:
ان كل مفاهيم اللبرالية التي يتشدق بها فوكوياما ليس إلا هراء واليك الأمثلة التالية:
مثال: المعايير المزدوجة، والتي يجدها غير الغربي على كل صعيد يدعي الغربيون أنهم بلغوا فيه إنسانيتهم: ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر:
أولا ـ الحرية الشخصية
وهو ما يتشدق به الغربيون، ويعتبرونها عنوان حضارتهم، يجد المسلم أو المسلمة، أنها محض هراء، فالمسلمة لاحق لها إن ترتدي لباس اقره دينها لها، وإنها إن لبست ما يناسب عقيدتها تعاقب بالطرد من الوظيفة أو الجامعة أو من المدرسة، وعلى المنصف إن يرى مقدار ما تنطوي عليه نفس المسلمة المتعففة أو أبوها أو زوجها أو أخوها أو المسلم المراقب: من اضطهاد وهم يرون إن الحرية مباحة للأخريات بالتهتك أو وهن يمارسن الرذيلة علنا في الحدائق العامة الغربية!!.
إن الحرية الشخصية في الغرب لها اتجاه واحد فقط، هو الذي يتوافق مع المركزية في السياسة الغربية ولا يتعارض مع التوجهات الصهيونية: وهو بهذا يخدم طرفاً آخر في أيدلوجية ا(انا خير منه)، وهو ما يستفيد منه المجرمون في غسل العقول البسيطة وتوجيهها إلى الاستشهاد لرفع الاضطهاد عن المسلمين، والانتقام من واضعي المعايير المزدوجة للؤلئك الأشرار ـ كما يظن ـ والذي يستفيد منه الحاقدون فيما بعد للطعن بالدين واعتباره ممارسة إرهابية يدعو لها الدين الإسلامي.
ثانيا ـ الحرية الفكرية
وهي من عناوين حضارة الغرب: وهي كذلك يجدها المسلم محض هراء، وهو يرى إن الأوربي الأصيل (روجيه غارودي) يقدم للمحاكمة ويهان، لأنه آلف كتابا عن الأساطير الصهيونية، بل إن الناشر للكتاب، يغرم ويصادر الكتاب من الأسواق..في حين إن الذي يشتم نبي المسلمين في كتابه (آيات شيطانية): الهندي سليمان رشدي: تصرف الملايين على حمايته في أوربا ويطبع كتابه بكل لغات العالم!!!!.
وهذا مما يترك أثرا بالغا جدا في لب كل مسلم لأنه إجراء لا يشك في عدوانيته وخبثه، إلا من لا لب له ولا ضمير، حتى وان لم يكن مسلما، فكيف سيكون من يريد إن يوظف كل شيء لمآربه؟!!.
ثالثا ـ الديموقراطية
فازت بالانتخابات التركية الديموقراطية النائبة (مروة قاوقجي) التركية في البرلمان التركي، إلا أنها كانت محتشمة اللباس و تضع قطعة قماش فوق رأسها لتغطية شعرها، كما تعتقد بالإسلام.. والآن فإنكم جميعا تعلمون مصيرها!! فقد أوصلتها الديموقراطية الغربية إلى الطرد من البلاد، وإسقاط الجنسية التركية عنها، عام 1999م، بعد فوزها عن حزب الفضيلة بحجة أنها محجبة!،[24] إنها منتهى القسوة التي لا نجد مثيلها إلا عند التكفيريين.
من هذا المثال أرجو إن يلتفت المنصف إلى مقدار الاضطهاد الذي تنطوي عليه نفوس المسلمين الذين يعلمون أو ربما أعلمهم آخرون: إن النساء في استنبول يعرضن عاريات من خلف الزجاج في (الفترينات): من اجل الرذيلة، وعليهن أرقام يستدل بها الزبائن، ربما في هذا عار يجعل التكفيريين يفخرون بقتل الأطفال في العراق، والجزائر… دون التعرض لهذه الأسواق!!
رابعا ـ القرارات الدولية
عشرات القرارات التي صدرت من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن لا ينفذ منها إلا ما صدر ضد دول بذاتها، بينما ما يصدر ضد إسرائيل فانه يبقى حبرا على ورق ولا يجرؤ أحد إن يقول لماذا؟
ثم كل ما تقوم به إسرائيل من ذبح للفلسطينيين وتدمير وتشريد وهدم بيوت ومزارع وردم الآبار: مباح إلا إن يقوم فلسطيني بما يدل على انه معارضة على ذلك الفعل فانه إرهاب.
إن أي منصف يرى في ذلك اضطهاداً أيما اضطهاد: فهناك شعب يشرد بالكامل، ودولة تخرج على كل القوانين الدولية تحت رعاية سياسة غربية كاملة وعمياء..انه عار يكلل الحضارة الغربية! ومسوغ لعدم استقرار العالم القائم على الظلم.
لكن الغريب إن هذا الظلم والذي يقع على الفلسطينيين مما لا يشغل اهتمام تنظيم التكفيريين، ولا تستغله في تجنيد الانتحاريين ضد إسرائيل!!
وهناك في هذا الموضع غريب آخر: وهو: استخدام أمريكا لليورانيوم المنضب، مع إنها يمكن إن تحسم الحرب بغير استخدام هذا السلاح؟!
لذلك نلحظ: لا داعي لاستخدام هذا السلاح خصوصا وانه كلف الغرب (80000) مصاب وكلف أمريكا (12000) مصاب، فلصالح من إذن استخدام هذا السلاح الخبيث؟؟
إذن فعدم وجود محاولة جديه لإنصاف المظلومين:لاينم عن حكمة، ولا ينم عن سياسة حكيمة تسوس العالم اليوم، ولا يمكن للعالم بوضعه الحالي إن يخرج من هذا اللمة المقيتة.. ولذا سيبقى العالم غابة، ويحكمه نظام الغابة..حتى السيد المنتظر المخلص القادم لا محالة (روحي فداه).
فالسيد الابيض ليس سيدا كما يضن !، والأبيض في واقعه ليس ابيضا، بل هو كرأس بصل ينخره العفن الأسود من باطنه، فلم يبق منه إلا القشر الأبيض!
ومع هذا فعلينا أن نعلم أن كل شيء مبني على الكذب والباطل لا شك زائل... وهكذا فإن الرأي العام المبني على مخالفة الحقيقة، إنما مثله مثل بالون مطاط كبير لونوه بألوان العصر الزاهية ليكون جذاباً، ولكنه أمام الحقيقة وبمجرد بروزها: يختفي هذا البالون الكبير، حتى لو كانت الحقيقة صغيرة جداً، لأنها في هذه الحالة تمثل رأس الدبوس، والذي عند تماسه مع البالون يفجره.
والواقع أن جميع الذين انبروا لبيان حقيقة براءة الإسلام من الإرهاب والعنف، لم يحسنوا تقديم الحقيقة العلمية المفجرة لبالون الكذب الذي يرتفع عاليا في السماء الدنيا.
ذلك لأن تقديم الحقيقة، أية حقيقة إزاء عالم يظلله ويضله عجل إعلامي ضخم واقتحامي، إنما يحتاج إلى علم وفن وأسلوب في التعبير عنها وفي تقديمها، وهذا العلم والفن والأسلوب يعلمه لنا كتاب الله العزيز:
أن الأسلوب الأحسن، هو خيار المحسنين، وهو نصيب من أتاه الله حظاً عظيماً، يقول عز القائل:
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)؛[25]
إن صنّاع الرأي العام العالمي ومن يقف وراءهم ويدعمهم، إنما هم أهل الإرهاب، وهم مبدعو وسائله ومصدرو أدواته وأسلحته، ومسببو نزعاته، ويعتاشون عليه، وهم الغزاة، وهم المستعمرون، وهم المحتلون، وهم تجار الحروب، وهم صنّاع أسلحة الدمار الشامل، وفي ورشهم الخلفية يدنسون كل معنى حسن… وكثير من أفعالهم في جوهرها إرهاب، لكنهم كمثل اللصوص، يستعملون الأسلوب اللطيف والكيد، في تمرير الفعل الفضيع، كمن يدس السم في العسل، ولذا فقد نجدهم يفتشون عن اللفظ اللطيف لمعاني إرهابهم. والتضليل الإعلامي هو أحد أساليبهم.
والإنسانية في حالة شبه مخدرة إعلاميا.. ولابد ان يتولانا الله الرحمن الرحيم، برحمة تتمثل في هزة وجدانية قوية تجعل البشرية تفوق مما يراد بها: فان القادة اليوم: أما مهووسون بحب المال وتكريس كل شيء في جمعه، أو بالسلطة والجاه، أو ممن تمتلئ صدورهم بالحقد على الإنسانية من قتلة الأنبياء وأشباههم، أو حكام طغاة عملاء للأسياد البيض لا يستطيعون أن يقولوا بغير مقالة أسيادهم.
فنحن نرى ان العداء للإسلام يخرج علينا دوما بشكل سيناريوهات إعلامية ودعائية، وكلما خبت نار العداء بفعل الزمن: خرج علينا واحدا من تلك (السينورياهات)، عميقة التأثير في المجتمع الغربي: باعتباره مجتمع الحرية الفكرية!!!!!!.
وآخر تلك (السنيورياهات)، ما خرجت به الصحف الدنيماركية ثم النرويجية ثم الأوربية، من صور كاريكاتيرية تهين المسلمين في نبيهم المصطفى محمد(ص)، بدعوى حرية الصحافة التي لا تجرؤ ان تتحدث بكلمة واحدة عن خفايا محرقة اليهود، ولا تجرؤ ان تتكلم عن حق الفلسطينيين في الحياة الكريمة والعودة والوجود، فهم كاذبون، وهم بيادق تحركهم النخبة التي تسوقهم إلى حيث مصالحها.
إن الذي يتحصل من مجمل: أفعال ونشاطات وتوجهات العداء للإسلام وبشكل منتظم ومخطط ومنظر له، في أوربا وأمريكا والغرب عموما منذ انتهاء الحرب الباردة…إن هذا الذي يجري هو بمثابة الزيت الذي يغذي نار الصراع، وان وراءه يد خبيثة تذكيه كلما خمد!
والغريب أن الغرب هو الذي يدفع الفاتورة دوما ولا من منتبه ولا من واع .
10. تناغم إيديولوجي بين السياسيين ومنظري السياسة الغربية:
هكذا نرى منظري الصراع الحضاري والمعاصرين يطرحون أفكارا مشابهة لتبريرات استعماري القرن التاسع عشر، ففرنسيس فوكوياما ضمن كتابه نهاية التاريخ، لا يرى فرقا جوهريا بين الظاهرة الفاشية في أوربا وظاهر الصحوة الإسلامية: فكلاهما عنده رد فعل ممن هضمت حقوقه وديست كرامته، وان كان يعترف ان المقارنة صطحية، والأخطر من ذلك جزمه بان العالم الإسلامي خاضع لبيئة فكرية صراعية وان المسلمين غير قادرين على الخروج من مرحلة التاريخ، أي إلى حيث تسود الليبرالية الديموقراطية المنتصرة طبقا للحركة التاريخ وفقا لنظرية هيغل (ProssesuceHegelian) الصيرورة، ونيتشية الغاية؛ بالنسبة لفوكوياما، ويبقى الإسلام ـ من حيث هو بنية ثقافية صراعية تتغذى على الدوام من النزاعات حسب زعمهم ـ مشكلا المانع من ترقي الشعوب المسلمة وتأهلها لمرحلة السلم واللاصراع!
أما الرافد الثاني للهجوم الثقافي المعاصر: فهو خط فكري مواز لتاريخوية فوكوياما وهو النهج الانتروبولوجي الثقافي الذي تبناه صموئيل هنتغنتون، ضمن كتابه الشهير (صراع الحضارات)، وحيث ان صموئيل قد تغذى من أفكار (برنارد لويس): المجاهر دائما بميوله الصهيونية، وعدائه للإسلام، باعتباره (خطرا على الحضارة اليهودية المسيحية)، فانه قد وقع في فخ منهجي، حكم على عمله بالسطحية كلما تعلق الأمر بالإسلام. فقد أوقعه مفهوم القرابة الثقافية في تبرير سياسة الغرب بالكيل بمكاييل متعددة لدى تعاملهم مع المسلمين وخصومهم (البوسنة وفلسطين مثلا …). فقد ذهب إلى تبرير هذا الجور المفضوح بعامل القرابة الثقافية.
مثل هذا التبرير يذكر بما كتبه (كارل ماركس) في حق مقاومة الأمير عبد القدر الجزائري للغزو الفرنسي للجزائر.[26]
فظاهرة العنف مثلا؛ كمثل أي ظاهرة استثنائية، تبرز طافية على السطح: لا تنطلق من أساس عقائدي ـ أي إنها ردود فعل انفعالية ـ، يستغلها رجال متخصصون في حماية مصالح أسياد المال في العالم، ولقد استفادوا من خاصية ارتباط هذه الظاهرة بالشعوب الإسلامية المقهورة، والمستلبة حقوقها، وبمطالب إسلامية وأفراد يدعون الإسلام، فوضفوا هذه الظاهرة لصالح صراعهم مع الإسلام، وعملوا على استغلالها باتجاهين خبيثين جدا:
الأول: تبناه فوكوياما الياباني الأصل الأمريكي الجنسية: كتيار ثقافي، بل كموضوع أساسي في الانتربولوجيا الثقافية: يدّعي إن العقيدة الإسلامية تبنى أساسا على فكر صراعي، لا يمكن التعايش معه: لأنه لا يمكن للمعتقد بالإسلام إن يكون مسالما وينسجم مع أجواء الأمن والدعة والاستقرار التي توفرها الحضارة الغربية!!
والثاني: تبنته دوائر المخابرات الغربية عموما والصهيونية خصوصا والـ (CIA) بالأخص: لبناء جماعات إسلامية متشددة جدا، أو دعمها بشكل أو بآخر: تكفّر ما عداها وتظهر الإرهاب بأجلى صوره البشعة المروعة: وهذا ليس سرا: فكثير من المجاميع المتشددة هم صنيعه أمريكا أبان الحكم الشيوعي لأفغانستان كما يعلم الجميع.
11. العقيدة المهدوية وحقيقة السياسة:
المهدوية ـ كما اصطلح عليها المحدثون ـ هي جزء العقيدة الإسلامية الخاص بالإمامة كسنة كونية لا تنقطع؛ متجسدة واقعا بوجود إمام العصر المعصوم (المهدي المنتظر(عج))، الذي هو من عترة النبي(ص) وامتداده؛ اسمه كاسمه وكنيته ككنيته، يخرج في أخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
إن هذه العقيدة في جوهرها ومضمونها ومرتكزها، وفيما تقرر وتؤكد، لا تخص المسلمين وحدهم، فهي عقيدة كل الأديان السماوية، بل هي عقيدة بعض العقائد الخارجة على الدين بشكل أو بآخر.
فالمسيحيون ينتظرون، وقبلهم اليهود ينتظرون المسيح المنقذ، ومنهم من ينتظر المخلص، ومنهم من ينتظر المصلح الأكبر، وآخرون ينتظرون الأخ الأكبر المقنع!.. الهابط من الفضاء أو المستنسخ في الأرحام!! حتى البوذية تتطلع إلى ناماسانجيتي (Namasangiti)، الذي يمثل عندهم صورة السيد المنتظر او بوذا القادم، صاحب الرحمة اللامتناهية[27]. مع ما في التفاصيل من توافق وتخالف.. في من هو؟ وأين ؟ ومتى؟ وكيف؟….
فالمهدوية؛ هي العقيدة الأساس أو الملحقة المكملة لكثير من العقائد، لاكثر سكان اهل الارض، وهي وان كانت في الظاهر مسلمات، إلا انه يمكن محاكمة تلك المسلمات علميا لنرى مقدار، جوهريتها في معاني الاعتقاد والعقيدة، والجمال والكمال.
الإنسان السوي الفطري: يحب السلام، ويميل إلى الدعة والاستقرار وينفر من أجواء الخوف والخصام والمغالبة.
ولذا فان الإنسان السوي متدين بالفطرة، مخلص لدينه محب لأهله وناسه، بل محب للناس أجمعين، وهذا ما يتطلبه الدين في: (أن لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
فالدين والمبدأ الإنساني عموما يتطلب أن يتحاب الناس ويتوحدون في نظام اجتماعي يضمن للجميع حقوقهم ويوزع عليهم واجباتهم، فهم جميعا سواسية كاسنان المشط كما يقول سيد الكائنات سيدنا محمد(ص).
ويصف القرآن الناس:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
المعيار الوحيد الذي يتمايز به الناس عند الله تعالى هو التقى، والذي هو ليس بمقدار ظاهر يتباهى به صاحبه على الناس.
أما المفسد في الأرض فلا دين له ولا مبدأ ينتظمه، فهو بما هو مفسد لا مبدأ بذاته يردعه عن أفعاله المشينة.
ولذا فان مفهوم الاستعلاء على أبناء الجنس ـكما عند سادة البياض، اوعند الصهاينة، هذا المفهوم كواقع لا يسوغ للإنسان عندما يكون في موقع اجتماعي مرموق، أو عندما يتولى موقعا سياسيا مرموقا، وهكذا نجد أن: دعاوى يرفعونها كشعارات تشير إلى مباديء، هي في الواقع خواء حيث يكذبها واقعهم المشين وفعلهم المخجل للإنسانية منذ بدء التاريخ: حيث قتل قابيل أخوه هابيل بذريعة واهية.
فالناس في الإسلام: كلهم أخوة: أبوهم ادم وأمهم حواء.. عالم لا ظلم فيه ولا عدوان، ولا جبروت ولا استغلال، ولا إكراه في الدين.. هكذا وعلى هذا الأساس يجب أن يساس الناس.
وأدعياء الوصاية على الناس من منظري السياسة الغربية وعمالهم فيها، إنما نهجهم عكس هذا النهج تماما، ولا يملكون من الحقيقة شيء كما يملكها الرسول(ص)، وتخطط له عقيدة السماء الكاملة، ثم فهم ظالمون بإعمالهم القاسية المشينة بما يقترفون بحق البشرية من مذابح تطال الأبرياء: والله تعالى لا يهدي القوم الظالمين.
إن السنن الكونية، والتي تدرك بشكل بديهيات كونية، إنما سرت ونفذت وتحكمت في الكيان الإنساني أيضا باعتباره مادة، حية، عاقلة، فهو يحوي أصناف الوجود كلها:
أتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
ولذا فالإنسان بنفسه يعبّر عن ماهيات أجزاء الكون كلها..وعليه؛ صارت هذه السنن الكونية في النفس الإنسانية سنناً تكوينية بعد رفع القصور الذاتي بالحياة؛ و برز بها عقل الإنسان؛ بعد رقع القصور الحيوي بالروح التي نفخها الله في خلقته
فالإنسان العاقل المتوجه للكمال؛ هو الذي يسعى بذاته للطاعة، ويعزز في نفسه معاني الرحمة، ويطلب العدل، ويريد السيادة، ويعمل لما بعد الموت، ويتجاوز البلاء، بالصبر ويسعى للتوحد والتوحيد، ويتكامل لضمان بلوغ الأحسن بالزمكان.
هذا على الصعيد النظري، فهل من الإسلام كعقيدة تطابق النسق الكوني ما يدعوا لتحقيق ذلك عمليا ؟
والجواب هو نعم؛ وذلك من خلال العقيدة المهدوية التي تقوم على الانتظار للثائر المصلح والتهيؤ لأمره والتهيؤ لدولته، أو على الأقل ألتحاش من بطش عدله وتحري العذر من خذلانه.
فمن ضرورات الانتظار والتهيؤ والاستعداد؛ تبرز عند المعتقد بالمهدي(عج)، جوهرية الحسن في الخلقة، وإدراك الجدية في مهام الرسالة الإنسانية، وعدم العبثية بما يتطلبه ذلك الاعتقاد، من حقيقة التلازم الذاتي بين نسق الفعل في الكون المجبول على السعي للأفضل والأحسن حيث الكمال، وبين خيار الإنسان لفعله الحسن بذات النسق حيث لا غيره. ثم هو بالتالي مسئول عنه خيرا وشرا.
فالذي يعيش بفعله لا ينتظر له نتيجة تقربه لقائده وإمام عصره، بل قد يكون لا يشعر بأن له إمام موجود، ليس كمثل الذي يعيش لرسالة سامية، وهو في حال تهيؤ لمقدم إمامه المنتظر في أي لحظة، فله همّ سياسي يعنى به، ومسئولية امام المنتظر في حال غيابه، واستعدادا يربطه بغايات قائده السامية.
فالمهدوي(المعتقد حقا بالمهدي) ليس إنسانا ضائعا، لأنه في دأب دائم لبلوغ الغايات السامية لخلقه، وليس كغيره؛ يأخذه العبث صباحا وتمسي به الخيبة مساءا!!
فالسياسي الصادق هوالذي في عنقه بيعة لإمام حق، ويستوعب في خياره لفعله، وجود إمامه هذا المعد لإصلاح العالم، والذي يعتقد انه ينظر إليه ويقيم فعله:
(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)؛
فالمهدووي؛ يحرص على أن يكون فعله كمأموم يصب في آمال إمامه ولغاياته السامية.وهذا والله كمال السياسة إن كان للسياسة معنى علمي مجرد.
وهكذا يتقوّم فعل المهدوي(المعتقد بالمهدوية)، والعامل بمضامينها بالكمال لتلازمه ذاتيا مع النسق الكوني.
هذا بالنسبة للفرد المهدوي المنتظر.. فكيف تساس امة لها الاعتقاد بالمهدي؟؟؟
ان هذه الأنماط التي نعيشها وندركها وندرك مراتبها ومراتب مخلوقاتها، والتي يتوجه فيها الفعل الكوني دوما إلى الكمال، دون أن يلتفت الكثير منا لحقيقة توجه الفعل في الكون إلى التكامل، سواء في بسطه أو في قبضه، حتى يظن الظّان، أنما الخلق عبث، كما يذهب أصحاب النظريات السياسية المدفوعة بشعار الشيطان(أنا خير منه)، فلا يجد الكثير منهم حرجا في ارتكاب أي فعل، ولا يتعب نفسه في خياره لفعله إذا كان فردا.. ولا يهتم المجتمع المخدر بنشوة التفوق، كثيرا لمن يسوسه وكيف يساس، او فيما إذا كان يتوجه مع النسق الكوني في سعيه للكمال في سياسته أو يكون ضده، بل قد لا يعلم هذا المعنى على الإطلاق.
إن مجرد الإقرار بوجود إمام العصر المتهيئ والمعد لمهام الإصلاح الأكبر، مقابل وجود منتظرين له ممهدين لدولته، يضع اؤلئك المعتقدين، في جوهر الرسالة الإنسانية الحق، ويبقى غيرهم في عدم التزام لمعنى النسق أو الكلام فيه.
أما إذا كانت للإنسان بيعة والتزام لهذا الإمام المنتظر، فإنما يكونون في سبيلهم إلى إتباع الكمال الذي يمثله الإمام المعصوم.
ونجد أن الذين عاشوا الوهم في الدنيا، يوم يرون الواقع من البسط في التجرد، وفي ساحة اللقاء مع البارئ العظيم، إنهم لم يكونوا على شيء في الدنيا؛ كانوا على الهامش ضائعون، الكون يجري لغايته، وهم يعيشون لا غاية لهم:
(الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يعْلَمُونَ * إِذِ الأغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيئًا كَذَلِكَ يضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ)[28].
وهذا الجوهر الذي يفتقده اغلب الناس في وجودهم وحياتهم وعقلهم مما لم يفت الفلاسفة الكبار من الأولين والآخرين.
فمثلا هذا هيجل، يشير إلى هذا الجوهر ومعنى الوجود والباعث له وفيه.
يعتقد هيجل؛ أن الروح المطلق،؛ هو الباعث على الديالكتيك، الذي يسميه العملية المنطقية وان،
العقل هو الوسيلة التي لابد منها لإدراك الديالكتيك؛ الذي هو التطور من وحدة إلى تعارض ومن تعارض إلى وحدة؛
(وان مهمة الدين هي بلوغ المطلق؛ (الله)، وان الله هو نظام الصلات الذي تتحرك به جميع الأشياء وتعيش.إن المطلق ينهض في الإنسان إلى وعي ذاتي، ويصبح الفكرة المطلقة، وذلك إن الفكرة تدرك نفسها كجزء من المطلق).[29]
وقول هيجل هذا كله مجرد نظر لا يغني ولا يسمن من جوع، فالمهم هو الوسيلة التي تضع أقدام الإنسان على خطى الروح المطلق، وفي خياراته من اجل بلوغ الله تعالى في إرادته. ولد كان قاصرا كما يبدو من وضع النقاط على الحروف، بسبب شغفه بنفسه كغاية نهائية وبأوربا كمركز لهذه الغاية ودين أوربا هو غاية الدين!!!
12. علمية الإسلام في مبناه السياسي
إن الحسن والقبح ليسا مجرد معاني نستحضرها بألفاظ تدل عليها؛ إنما الحسن والقبح حادثات وأفعال؛ تدرك من خلال استحضار القوى المنجزة لها، فالقوة هي التي تبطن الفعل وتدل عليه.. والفعل ظاهر لمعنى القوة دوما.
وإن كان الناس يتداولون ألفاظا لمعاني الفضائل، ويجادلون مثلا، بقولهم؛ إن الكرم حسن، والبخل قبيح، والصدق حسن، والكذب قبيح…وهذا ما يستغله الساسة الشياطين.
إن الواقع غير هذا تماما، بل واعقد؛ فهذه المعاني لا تكون حسنة أو قبيحة، إلا بملاحظة علتها الدافعة لفعلها المنجز لها، فتكون حسنة إذا أتت معلولة لجوهر الكون وعلة الكينونة وهي الرحمة، التي يجسدها في الواقع الإمام المعصوم، فهي متطابقة مع النسق الكوني.
فلكي تكون المعاني فضائلا حقيقية، لابد أن تتطابق في أدائها السنة الكونية، مع السنة التكوينية للنفس الإنسانية التي يصدر عنها الفعل.
فالكرم الفضيلة؛ هو الكرم الذي يأتي مدفوعا بعلة الرحمة وتجسيد لروح الحسن الكوني الساري.
أما إذا كان هذا الكرم يأتي لعلة غير هذا؛ كالرياء والسمعة أو العجب أو التفاخر… فانه قبح.
فاللفظ ـ الذي يتعامل به الساسة الشياطين ويحسنون استعماله ـ ليس فيه حسن أو قبح، وكذا المعنى؛ وما يأتي على الألسن مما يقوله الناس، ألفاظا لمعا ني ويظنون أن الحسن والقبح، يقترن بتلك المعاني؛ فالحقيقة هي أن اللفظ ومعناه، لا حسن لهما ولا قبح، إنما الحسن والقبح يترتبان على الفعل الموافق لذلك المعنى وليس على المعنى وحده، إنما حسنه وقبحه يتوقف على العلة الدافعة للفعل الذي يبرز به ذلك المعنى.
يكمن تمييز المعنى الكوني للرحمة، كي لا تختلط بالعاطفة أو الحب الأعمى، أو أي شكل من أشكال المؤالفة أو الرأفة. فالرحمة الكونية تتميز بأنها؛ قوة يأتي الفعل لإبرازها في معاني معرّفة تتحقق في العقيدة المهدوية التي تنطوي عليها نفس الإنسان، ما إذا كان الفعل ـ أي فعل ـ غير مستوعب هذه الحقيقة، فهو باطل وخواء.
فكيف نضمن أن يكون الفعل المختار من قبل الإنسان، متطابقا مع معناه؟
الضمان؛ يتحقق من خلال انطواء النفس على عقيدة صحيحة يقوّم بمراعاة معتقداتها عند صدور الفعل منه.. وهذا لا يحصل إلا من خلال نفاذ السنن ألثمان الكونية الحسنة في الفعل.. وهذا لا يتحقق إلا من خلال الإمام الحاضر في ذات الإنسان، الفاضل والكامل والرقيب والمنتظر، صاحب الهدف الكبير والرسالة العظيمة والغاية السامية..التي تجند معتقديها لذلك القائد العظيم.. والذي يمكن أن يظهر في أي لحظة، وهذا لا يتحقق إلا من خلال رابطة قوية حقيقية تربط بين المأموم المنتظر والإمام المنتظر.
نعم قد يكون في الغالب العام؛ لا يتحقق هذا الضمان، وبهذه الصورة، إلا أنها الصورة الواقعية والمعدة، لبناء الإنسان الكامل. فالمهدوية هي أطروحة الكمال.
وتفسير هذا القول يكمن في:
إن الإسلام بدون المهدوية؛ بعدان فقط، وتكتمل في تأثيرها بخيارات فعل الإنسان من خلال استيعاب المهدوية، ليكون الإنسان بالإسلام؛ آملا، فاعلا، ممهدا، منتظرا، مستعدا لمهامه في الوجود.. وفي غير المهدوية لا يمكن أن يكون الإنسان هكذا.
وهكذا فان حديث فوكوياما وهنتنغتون، وكل ابائهم واحفادهم عن فضائل السياسة الأوربية والرجل النوردي، والإنسان الأخير، ونهاية التاريخ، رومانسية سياسية، او بالاحرى هراء سكارى بنشوة العرق المتفوق او الاختيار الرباني المميز...
فان الكمال، جوهر وجودي، ندركه فقط، حين تتوفر مكوناته و مركباته، فهو كمحصلة مركبات القوى، بالضبط كآي مقدار اتجاهي في الطبيعة والحياة والعقل.
ففي الإسلام تبلغ الهداية التكوينية غاية كمالها في الإمام الغائب (عج)، وتمتد إلى كل فرد ممن يؤمن به عبر جسر الانتظار والتهيؤ لمقدمه البهي، وباعتباره المعصوم الإمام المكلف بالإجهاز على مواقع الضلال وقواه، فهو الثائر العظيم، والمنقذ الأكبر، والمصلح الكوني الذي يؤيده رب العزة لتمام الهداية وشيوع العدل.
ان الكمال الإنساني هو فقط من معاني امتدادات الهداية التكوينية للإمام المنتظر (عج) في ثلة المنتظرين، في ضوء معاني الانتظار، ومعاني التمهيد للظهور البهي للمعصوم.
ويمكن تلخيص ذلك؛ في تصور إنسان ينتظر قدوم ضيف، كيف تكون استعداداته، إذا كان ممن يعرف معاني إقراء الضيف وآثاره كلها؟
وكيف يكون التصور في التهيؤ لانتظار ثائر عالمي ومصلح كوني، اذا كان يعرف متطلبات التغيير ومعاني الثورة؟
ولكي يكون الإنسان أحد أتباعه(عج) فعليه أن يكون بمستوى الموقع الذي يطمح من خلال لكمال الهداية، لينال رضاه (عج) فرضا خالقهY.
نعم قد يكون هناك تقصيرا في فهم معنى وجود الإمام(عج)، ومعاني التهيؤ لمقدمة، مثل تقصيرنا في وعي المعاني الهادية الأخرى لوجود الإمام المعصوم، لكن هذا ليس ذنب العقيدة، إنما هو ذنب المعتقدين، أو هو طبيعة الناس في التفاوت بالوعي، أو قصورهم عن بلوغ تمام معانيه، لذا يبقى في معاني الهداية التكوينية حيزاً للتفاوت بين الناس في الوعي.
وأيضاً أن الإمام (عج) غائب، لكنه موجود في ساحة العقيدة، حيث هناك ثقافة خاصة بمعنى الغيبة، وعلامات الظهور، وزمن الظهور، وشعارات ثورته، وموجباتها، وكيفيات فعله، وهناك خطط بينتها الأحاديث الكثيرة لحركته الثورية وبشكل مفصل.
فهو كالشمس حين يحجبها السحاب، تبقى تمد الحياة بالوجود والاستمرارية.
هذه الثقافة ومناقشتها بالفعل والمنطق وردها إلى القرآن شريك العصمة مع الإمام، تمثل تفعيلا لمعاني السياسة بالهداية التكوينية لوجود الإمام(عج).. ومع الانتظار يزداد تفعيل هذه المعاني.
فالمنتظِر إذا شد نفسه بالمنتظَر الثائر الكوني، إنما ينتظر ثورة واضحة المعالم والخطط والأهداف ـ وتلك هي منافضل السياسات لمجسدات الهداية التكوينية للإمام مع غيبته؛حيث تجعل المنتظر في منحى هداية الإمام دوماً لأنه متزودٌ بما يريده الإمام ومتجنبٌ لما يمكن أن يغضبه.. وتلك من معاني الكمال في إنسانية الإنسان.
فلا ينجو من عدله إلا من بايعه على الهدى، أو أذعن للحق الذي جاء به وهيأ نفسه ومجتمعه بسياسة الانتظار.
13. المصادر
1. هنتنغتون: صموئيل (صدام الحضارات: وإعادة بناء النظام العالمي) ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة وآخر، ط1، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراته ـ1999م.
2. فوكوياما: فرنسيس (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) ترجمة فؤاد شاهين وآخرين، مركز الاتحاد القومي، بيروت ـ1993م.
3. اليزدي؛ محمد تقي مصباح (المجتمع والتاريخ) ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، ايران، دار امير كبير ـ1994م.
4. الصدر؛ محمد باقر(الاسلام يقود الحياة) ب.ت.
5. شيفستر؛ البرت (فلسفة الحضارة) ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط1، دار الاندلس بيروت1997م.
6. المطهري؛ مرتضى (المجتمع والتاريخ ترجمة محمد اذر شب، ط1، مؤسسة البعثة طهران ـ1402هـ.
7. امام؛ عبد الفتاح امام (معجم ديانات واساطيرالعالم) المجلد/ 13، جامعة الكويت، قسم الفلسفة ـ ب.ت.
8. جفري؛ بارندر((المعتقدات الدينية لدى الشعوب)ترجمة امام عبد الفتح امام،ط2، مكتبة مدبولي، القاهرة ـ 1996م.
9. صبحي؛ احمد محمد(في فلسفة التاريخ) ط2، دار النهضة بيروت ـ996م.
10. مجلة الثقافى العالمية: العدد/ 85، عام ـ1997.
11. ألمسيري؛ عبد الوهاب، "نهاية التاريخ، مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني"، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، ص113.
12. صلاح زكي، "نظرية الآمن الإسرائيلي"، دار الثقافة الجديدة القاهرة ط1، 1978م، ص34.
14. الطرابيشي؛ جورج (الماركسية والجزائر)، دار الطليعة، بيروت ـ 1981م.
15. حمادي؛ عمار (الأسس الثقافية للغرب؛ جولة في مراحل تكون الثقافة الغربية) ط1، دار الهادي، بيروت ـ 1425هـ، ص112 ـ 113.
16. بدوي؛ عبد الرحمن (الموسوعة الفلسفية)، وتوينبي (فلسفة التاريخ) ترجمة فؤاد محمد شبل،ص / 295 ـ299.
17. مجلة الكلمة؛ العدد/ 3، السنة الأولى:ص / 82.
18. حب الله؛ غادة، وعاضة؛ رباب، "الإرهاب سلاح ذو حدين" مقالات تهم الإنسان والمجتمع، معهد السيدة الزهراء 3 العالي للشريعة والدراسات الإسلامية، ط1، 1425هـ، ص260.
19. بيجو فيتش؛ علي عزت (الإسلام بين الشرق والغرب)، ص /244.
20.E –Bradford: (At war in Nicaragua; The Rangan doctrine and politics of nostalgia of nostalgia), New Yourk.1987.
21 .Toefolo; Cabestrero, (Blood Of Innocent: Victims of the contras War in Nicaragua), Orbis Bood ـ1985.
eidm2003@hotmail.com
عنوان موقع المؤتمر:www.intizar.org
البريد الاليكتروني لإرسال المقالة:article@intizar.org
البريد اليكتروني لرئاسة المؤتمر:secretary@intizar.org
إلى مؤسسة المستقبل المشرق
قم / شارع الصفائية/ الزقاق ـ23/رقم الدار ـ5
صندوق البريد:371185 ـ471
رقم الهاتف: 7834239. 0251
الفكس:7833712. 0251
فرخوان سومين همايش بين المللي دكترين مهدويت
الموضوعات
المقدمة.
تاريخ النظريات الغربية السياسية وتطورها.
بحث الجذور الأيديولوجية لتلك النظريات.
التوظيف السياسي الاستغلالي للنظريات الغربية:
النظريات الغربية السياسية الحديثة.
حقيقة السياسة الغربية الحديثة.
تناقضات السياسة الغربية.
الإعلام الإسلامي يوظف لخدمة برامج السياسة الغربية.
عدم وجود أي معيار للحق والعدل في السياسة الغربية.
تناغم إيديولوجي بين السياسيين ومنظري السياسة الغربية.
العقيدة المهدوية وحقيقة السياسة.
علمية الإسلام في مبناه السياسي.
المصادر.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]. بحث مقدم إلى المؤتمر الثالث للعقيدة المهدوية المنعقد في طهران من12 ـ 15شعبان 1428هـ.
[2]. بدوي؛ عبد الرحمن (موسوعة الفلسفة)ج1،ص ـ184
[3]. نفس المصدر:
[4]. بيجو فيتش؛ علي عزت ( الإسلام بين الشرق والغرب)، ص /244.
[5]. فقد امتدت موجة العنف المرعبة من مدن فرنسا في اليوم الثامن من نوفمبر2005م، لتعم مدن بلجيكا وألمانيا وتنذر بالخطر جميع الدول الأوربية.وفي بداية آذار من عام 2007م في الدنيمارك، وقد أكد تقرير للأمم المتحدة صدر يوم الخميس الموافق للخامس عشر من مارس 2007 وتناقلته وكالات الإنباء والصحف العالمية؛ مفاده: أن هناك تمييزاً عنصرياً بين العمال الفرنسيين والفرنسيين من اصل أفريقي، ولا زال الحبل على الجرار، إلى أن يأتي المخلص المنقذ الإمام المهدي عليه السلام الذي يسوس العالم بسياسة عقيدة الإسلام الكاملة.
[6]. الغذامي؛ عبد الله محمد "رحلة إلى جمهورية النظرية؛ مقاربات لقراءة وجه أمريكا الثقافي" مركز الإنماء الحضاري، دمشق، ط1 (1998م)، ص74.
[7]. فوكوياما؛ فرنسيس؛ "نهاية التاريخ و الإنسان الأخير" ترجمة: فؤاد شاهين، وآخرين، مركز الإنماء القومي، بيروت (1993م)، ص8.
[8]. محفوظ؛ محمد "نقد المشروع الحضاري الغربي وتحديات العولمة" مجلة الكلمة، عدد: 194، السنة 5، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، بيروت (1998م)، ص56 (بتصرف).
[9]. الامراني؛ حسن "المتنبي في دراسات المستشرقين"، ص341، وجاء نص مقارب في مجلة الكلمة؛ العدد: 4، السنة 11، ص82.
[10]. نفس المصدر السابق ونفس الصفحة.
[11]. حب الله؛ غادة، وعاضة؛ رباب، "الإرهاب سلاح ذو حدين" مقالات تهم الإنسان والمجتمع، معهد السيدة الزهراء3 العالي للشريعة والدراسات الإسلامية، ط1، 1425هـ، ص260.
[12]. من أين حصل صدام حسين المجرم على الأسلحة الكيمياوية التي أباد بها شعبه في مدينة حلبجة ؟؟؟.
[13].E –Bradford: (At war in Nicaragua; The Rangan doctrine and politics of nostalgia of nostalgia), New Yourk.1987.
[14]..Toefolo; Cabestrero, (Blood Of Innocent: Victims of the contras War in Nicaragua), Orbis Bood ـ1985.
[15]. يقول المؤرخ البريطاني الشهير (أرنو لد توينبي): "إن دراسة الجنس أو العرق كعامل منتج للحضارة؛ تفترض وجود علاقة بين الصفات النفسية، وبين طائفة من المظاهر الطبيعية. ويعتبر اللون هو الصفة البدنية التي يعول عليها الأوربيون ـ أكثر من غيره ـ في الدفاع عن نظريات العرق الأبيض المتفوق، وان أكثر النظريات العنصرية شيوعا هي التي تضع في المقام الأول السلالة ذات البشرة البيضاء والشعر الأصفر والعيون الشهباء، ويدعوه البعض بـ (الإنسان النوردي) أي الإنسان الشمالي، ويدعوه الفيلسوف الألماني (نيتشة) بالوحش الأشقر.
[16]. مجلة الكلمة؛ العدد/ 3، السنة الأولى:ص / 82
[17]. بدوي؛ عبد الرحمن (الموسوعة الفلسفية )، وتوينبي (فلسفة التاريخ) ترجمة فؤاد محمد شبل،ص / 295 ـ299.
[18]. حمادي؛ عمار (الأسس الثقافية للغرب؛ جولة في مراحل تكون الثقافة الغربية) ط1، دار الهادي، بيروت ـ 1425هـ، ص112 ـ 113.
[19]. الأنفال:60.
[20]. فصلت: 34.
[21]. يتنبأ شيللر؛ أ روبرت؛ في كتابه (المتلاعبون بالعقول) بثورة عالمية ضد الإعلام؛ انظر موضوع: التضليل الإعلامي.
[22]. صلاح زكي، "نظرية الآمن الإسرائيلي"، دار الثقافة الجديدة القاهرة ط1، 1978م، ص34.
[23]. ألمسيري؛ عبد الوهاب، "نهاية التاريخ، مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني"، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، ص113.
[24]. المنار، العدد: 76، شوال 1424 هـ، بقلم إيمان الوزير.
[25]. فصلت: 35.
[26]. الطرابيشي؛ جورج (الماركسية والجزائر)، دار الطليعة، بيروت ـ 1981م.
[27]. أمام؛ عبد الفتاح إمام (معجم ديانات وأساطير العالم)المجلد /3 ، ص/ 11، إصدار قسم الفلسفة، جامعة الكويت، الكويت.
[28]. غافر:74.
[29]. قصة الفلسفة / 379.
[
عدد الزيارات: 335]
 |